الأحد، 4 يناير 2026

لم أشفَ ولذلك صدقت بقلم محمد حلاوة

لم أشفَ… ولذلك صدقت
بقلم: د. محمد حلاوة

ثمة جراح
لا تشفى، لأن الشفاء تنازل عن الحقيقة،
ولا تهدأ، لأن الوجع إذا استوطن
تحوّل إلى وطن.

جراحٌ إن أفصحتَ عنها خذلتك اللغة،
وإن كتمتَها خانك الصمت،
وإن زعمتَ نسيانها
ارتدّت إليك
كقَسَمٍ قديم
لم تكفّره الأيام.

هي جراح
لم تأتِ عارية،
بل مُدرَّعةً بنصالٍ حادّة،
شقّت القلب شقًّا هندسيًّا،
ورسمت على لحمه
البيانيَّ الأعلى للألم،
صعودًا لا يفضي إلى ذروة،
وانحدارًا لا يبلغ خلاصًا.

يفنى القلب،
نعم يفنى،
وتتآكل حدوده
كما تتآكل المدن المحاصَرة،
لكن الجرح يبقى،
مقيمًا كوسمٍ أبدي،
كجمرٍ مؤجَّل
لا ينطفئ
ولو غمرته أنهار النسيان.

يا لهذه الجراح،
لا تكتفي بأن تُوجِع،
بل تُربّي فيك
الحكمة القاسية،
وتمنحك فهمًا فادحًا لمعنى الصبر،
حتى تغدو ابتسامتك
مدرسةً في التحمّل،
وصوتك وثيقةً رسميّة
تُثبت أنّك نجوت
دون أن تسلَم.

تتعلّم أن تمشي مستقيمًا
وقلبك مائلٌ كقوسٍ منكسر،
أن تُجالس الناس
وفي صدرك عزلةٌ مكتملة الأركان،
أن تقول: أنا بخير،
لا كذبًا،
بل اختصارًا
لكارثةٍ لا تصلح للحكاية.

ثمة جراح
لا تطلب لها عدالة،
ولا يُرجى لها نسيان،
هي امتحان الوجود الأخير،
وبرهانك الصامت
على أنّك كنت إنسانًا
إلى أقصى حدّ…
ثم صبرت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

فارسي بقلم مريم سدرا

فارسي هاهو فارسي  قد جاء  يجتاز المسافات  يزحزح بكفيه جبال الأوهام  يطلق سراح الجداول  في الوديان يحرر عصافير قلبي  من قبضة السجان يعلي رايا...