الخميس، 6 أغسطس 2026

بَيْنَ قَوْسَيْن بقلم عبد الرحيم الشويلي

"أنا أحتاج إلى مكتبةٍ كبيرة، ليس للقراءة، بل للاختباء."
ــ دوروثي باركر

قِصَّةٌ قَصِيرَة

بَيْنَ قَوْسَيْن

دقَّ الجرسُ. رفعَ رأسَه عنِ الكتابِ، وأغلقَه بإصبعٍ بقي حبيسَ الصفحة، كأنَّ الأفكارَ تخشى الهرب. دقَّ الجرسُ مرَّةً ثانيةً، فقال بصوتٍ خافتٍ:
ــ لو كان الأمرُ مهمًّا... لانتظرَ حتى أنتهي من الفصل.
دخلتْ زوجتُه تحملُ فنجانَ الشاي، وابتسمت وهي تتأملُ الرفوفَ الممتدَّةَ حتى السقف.
ــ أتدري؟ بدأتُ أشعرُ أنَّ هذه الكتبَ تعرفُكَ أكثرَ ممّا أعرفُكَ أنا.
لم يرفعْ عينيه.
ــ الكتبُ لا تطرحُ أسئلةً مُحرجةً.
جلستْ قبالتَه.
ــ بل لأنَّها لا تنتظرُ جوابًا.
ولأوَّلِ مرَّةٍ أغلقَ الكتابَ تمامًا... ونظرَ إليها.
بدتْ له غريبةً؛ ليس لأنها تغيَّرت، بل لأنه لم ينظر إليها منذ زمنٍ طويل.
ــ متى كبرتِ إلى هذا الحدِّ؟
ابتسمت بأسًى.
ــ منذُ اليومِ الذي صرتَ تستعيرُ كلماتَكَ من الآخرين.
قطَّب حاجبيه وقال كأنَّه يستنجدُ بصديقٍ قديم:
ــ يقولُ مونتين: «أقتبسُ من الآخرين لأعبِّرَ عمَّا أعجزُ عن قوله بنفسي.»
تنهدت.
ــ أعرف... فأنا متزوِّجةٌ من مكتبة، لا من رجل.
ابتسم ابتسامةً باهتةً، ثم أردف:
ــ وقال بورخيس: «لطالما تخيَّلتُ أنَّ الفردوسَ سيكونُ نوعًا من المكتبة.»
أجابت وهي تُمعن النظر في الرفوف:
ــ أمَّا أنا، فكنتُ أتخيَّلُ أنَّ الفردوسَ بيتٌ يتحدَّثُ فيه الزوجُ إلى زوجته... لا إلى بورخيس.
سادَ صمتٌ ثقيل. أرادَ أن يقولَ شيئًا... فتوقَّف. أرادَ أن يتذكَّرَ اقتباسًا آخر... فخذلته الذاكرة. اقتربَ من أحد الرفوف، وسحبَ كتابًا قديمًا، ثم أعادَه إلى مكانه بعنايةٍ، حتى استقام مع الكتب الأخرى.
قال أخيرًا:
ــ من الناس...
هزَّت رأسَها.
ــ لا...
بل من الحياة.
رفعَ عينيه إليها...
ولأوَّلِ مرَّةٍ في حياتهِ، لم يجدْ في ذاكرتِهِ اقتباسًا جاهزًا يختبئُ خلفَه....!!.

بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
6.أغسطس.آب.2026م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

على درجِ الخريف بقلم اسماء جمعة الطائي

على درجِ الخريف أجلسُ وحدي، أعدُّ الأوراقَ التي سقطتْ من شجرةِ العمر، وأتساءلُ: كم حلماً ذبلَ قبل أن يزهر؟ في عينيَّ ألفُ حكايةٍ صامتة، وفي ...