الجمعة، 11 سبتمبر 2026

حكاية الأريج الحر بقلم حسناوي سيلمي

حكاية الأريج الحر
في مدينةٍ ممتدةٍ خلف أفق الضباب، تُدعى مدينة المرايا، كان كل شيءٍ مصمماً ليعكس الآخر. كانت البيوت تصطفّ كأحجار شطرنجٍ متطابقة، والشوارع تتقاطع بزوايا هندسية صارمة لا تسمح بالخروج عن الخط المرسوم. لم تكن جدران البيوت مبنية من حجر، بل من زجاجٍ صقيل يعكس للمارة وجوههم، ليتأكد كل فردٍ في كل لحظة أنه يشبه البقية تماماً.في تلك المدينة، لم يكن الناس ينظرون إلى السماء ليعرفوا متى يزرعون أو يبتسمون، بل كانوا ينظرون في وجوه جيرانهم؛ يرتدون المعاطف ذات اللون الرمادي السائد، ويقيسون خطواتهم على إيقاع خُطى المارّة، ويصوغون أحلامهم من بقايا أحاديث العابرين. حتى الضحكات كانت تُطلق بنبرةٍ موحدة، والأحزان تُبكى في أوقاتٍ محددة سلفاً. كان الخوف الأكبر الذي يسكن الأزقة هو أن يصحو أحدهم يوماً ليجد في نفسه رغبةً مغايرة، أو لوناً مختلفاً، فيسقط من حسابات المدينة التي لا تعترف إلا بالنسخ المكررة.وسط هذا التشابه الباهت، كان يعيش شابٌ يُدعى راشد. كان راشد صانع عطور، لكنه لم يكن يركب العطور كسائر العطارين الذين يقتبسون النِسب ذاتها ليصنعوا رائحة المدينة الرمادية المعتمدة. كان يعتصر الحكايات والذكريات، ويجمع قطرات الندى عن أوراق الشجر البري، ويخلط نفحات المطر بالتراب الجاف، ليصنع قوارير تحاكي مشاعر داخلية لا يلتفت إليها غيره.في بداياته، سقط راشد في فخ المقارنة. كان يمرّ يومياً بالساحة الكبرى للمدينة، حيث تصطفّ دكاكين العطارين كواجهات عرضٍ متطابقة، يراقبهم وهم يمزجون المقادير ذاتها، ويصنعون العطر الموحد ذاته الذي تفرضه قوانين المدينة الصارمة. كان يرى الجموع تتدافع لشراء تلك القوارير المكررة لأنها تمنحهم الشعور بالأمان والتشابه. دخل قلبه الشك، وتساءل: "لماذا تبدو عطوري غريبة؟ لماذا لا أملك انضباط مقاديرهم المألوفة؟".قرر راشد حينها أن يقتبس حياتهم وطريقتهم. اشترى الزيوت العطرية الشائعة ذاتها، وحاول تقليد نسبهم الصارمة، وصنع العطور المتطابقة كما يفعلون. قضى شهوراً وهو يحاول أن يكون "نسخة أخرى" يرضى عنها أهل مدينة المرايا. لكنه كلما شمّ زجاجة عطرٍ صنعها بأسلوبهم، شعر بغربةٍ شديدة تجاه نفسه. لم تكن الروائح تشبه روحه؛ كانت مقبولة في أنوف الناس، لكنها كانت ميتة في حسه، كوردةٍ من بلاستيك لا نبض فيها. صار يشعر أنه مجرد صدى باهت في مدينة يملؤها الزجاج.ذات مساء، قرر الخروج عن المسار المرسوم، وتوجه إلى صديق والده المتوفى الشيخ حكيم، رجلٌ عجوز خطّ الزمن على وجهه دروباً من الحكمة، وكان يعيش في منزله الصغير المنعزل بالمدينة محتفظاً بتفرده ورافضاً أن تغويه المرايا. سكب راشد حزنه أمام الشيخ وقال: "لقد صرتُ مثلهم، أملك تركيباتهم وأحظى بقبولهم، لكني فقدتُ نفسي. جئتك لأن والدي كان يرى فيك بوصلة الحقيقة، وأنا اليوم أشعر أنني أعيش حياةً مستعارة".ابتسم الشيخ الحكيم، ونظر إلى راشد ملمحاً فيه طيف صديقه الراحل، ثم أخذ بيده إلى شجرةِ جوزٍ قديمة في فناء داره، وأشار إلى الأوراق المتساقطة على الأرض. قال بصوتٍ دافئ كأنه حفيف الشجر:"انظر يا بني إلى هذه الأوراق. إنها من شجرة واحدة، وتتغذى من جذر واحد، ومع ذلك، لن تجد ورقةً واحدة تطابق الأخرى في تفاصيل عروقها أو انحناءات أطرافها. الطبيعة لا تكرر نفسها، فكيف ترضى أنت، وأنت نفخةٌ من روح الخالق، أن تكون تكراراً لغيرك؟"أخذ الحكيم نفساً عميقاً وأكمل: "لا تقارن ولا تقتبس حياتك من حياة غيرك. الآخرون ليسوا مقياساً أبدًا لما يجب أن تكون عليه. إن المقارنة هي اللص الذي يسرق بهجة التفرد. عد إلى محترفك، واحتفِ باختلافك، وعِش حياتك كما هي بتفردها وجمالها، واعلم أن للعالم لوناً واحداً باهتاً ورائحة واحدة عقيمة إذا تشابهنا، بينما يكمن السحر في أن تحافظ على عبيرك الخاص".سكنت الكلمات في قلب راشد كالغيث في الأرض العطشى. عاد إلى محترفه، وتحت ظلام الليل، حطم كل المرايا التي تحيط بمكانه، وتخلص من كل المواد المستعارة. أغلق بابه، وعاد إلى قطرات الندى، وترابه الجاف، ونفحات مطره الليلية. لم يعد يلتفت إلى ما يمزجه جيرانه، ولا إلى ميزان القبول الموحد.بدأ يركب عطور مشاعره، وانكساراته، وأحلامه الغريبة. كانت عطوره تبدو لأهل المدينة في البداية نشازاً، وربما صدمة، لأنها لم تكن تعكس رائحة النظافة الباردة والمألوفة لديهم. لكنها كانت تنبض بالحياة، وتثير الشجن والذكريات المنسية. مع مرور الوقت، بدأ الناس يلاحظون شيئاً مختلفاً؛ عطور راشد لم تكن مجرد زينة للملابس، بل كانت كوةً تُطل على الروح وتوقظ المشاعر المدفونة. صاروا يأتونه سراً، يفرون من دكاكين العطور المكررة، ليبحثوا في قواريره عن "الصدق" وعن تلك النفحة الفريدة التي اشتاقت إليها أرواحهم.عاش راشد بقية حياته في مدينة المرايا، لكنه لم يعد انعكاساً لأحد. أصبح هو العبير الذي يكسر الرتابة، وأصبح اختلافه هو هويته، وعاش حراً، محتفياً بكل تفصيلة صغيرة في قارورة حياته الخاصة.         

بقلم أ. حسناوي سيلمي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أشتاق بقلم أمل أبو الطيب محمد

أشتاق أشتاقُ وَدَّك يا أَجْمَلَ تَلاحيني أَنْتَ الَّذي دونَ الخَلْقِ تَرويني خُذْني لِطيفِكَ، قَلْبي باتَ في كَدَرٍ عَلَّ الخَيالَ سَيَنْمُو...