(1)
أرْضَعَتْني النُّورَ أُمّي مُنْذُ خَلْقي
ثُمَّ أُسْقيتُ كَطِفْلٍ ماءَ صِدْقِ
وَمَتى أصْبَحْتُ في الدُّنيا صبِيًا
عَلَّمَتْني صّدَّ مَنْ يَسْلِبُ حقّي
وَأنا أصْبَحتُ أيْضًا كُلَّ يومِ
واعِيًا أكْثَرَ بلْ وازْدادَ فًهْمي
للَّذي مَرَّ عَلَيْنا مِنْ رَزايا
وَإلى الآنَ على شَعْبي وَقوْمي
عِنْدما كُنْتُ صَغيرًا ما أتاني
مِنْ تعاليمٍ وَعِلْمٍ أوْ معاني
لمْ أَكُنْ أرْبُطُها بالْحاضِرِ حتى
غَيَّرَ الطُّغْيانُ فِكْري في ثواني
ذاتَ يوْمٍ كُنْتُ في غُرْفَةِ صّفّي
حيْثُ كُنا حينَها في درْسِ عَزْفِ
هَزَّ صَفّي بلْ صُفوفَ الْكُلِّ أيْضًا
ما بدا لي كانْفِجارٍ أوْ كَقَصْفِ
ماتَتِ الأوْتارُ مَعْ نبْضِ القُلوبِ
وَكَسانا الْخَوْفُ فينا بالشُّحوبِ
وَأَماتَ الرُّعْبُ في حلْقي لساني
فجأةً في غُرَفِ الْقِسْمِ الْجنوبي
أُخْرِجَ الطُّلابُ في ذُعْرٍ شديدِ
إذْ دوى صَوْتُ انْفِجارٍ مِنْ جديدِ
هَزَّ أرْكانَ صُفوفٍ وَمبانٍ
وَقُصورٍ لوْ بَنوها مِنْ حَديدِ
لمْ نَكَدْ نخْرُجُ للسّاحَةِ حتّى
دَخَلَ الأهلونَ والأذهانُ شتّى
قيلَ هولاكو بِجَيْشٍ مِنْ تَتارٍ
أعْمَلوا في الأهْلِ تقتيلًا ومَوْتا
كَبُرَ الطِّفْلُ وصارَ الشِّعْرُ نورا
يمْلَأ العُرْبانَ فِكْرًا وَشُعورا
عَلَّهُمْ يَصْحُونَ مِن ذُلٍّ عميقٍ
لِيُقيموا بيْنَ إخوانٍ جُسورا
كيْفَ للطِّفْلِ وَقدْ عُلِّمْتُ صِدْقا
أنْ أقولَنَّ متى أُشْهِدْتُ حقَا
كيْفَ لي مدْحُ عميلٍ للْمَغولِ
لسْتُ هذا لوْ أنا أعْدِمْتُ شَنْقا
حَسِبَ الأَنذالُ صوْتي سوْفَ يخْبو
وَمَتى أفْنى لياليهمْ ستَصْفو
كُلُّ ذَمٍ قُلْتُهُ فيهِمْ سيبْقى
علَمًا في صَفَحاتِ النُّور يَزْهو
عِنْدَما أحْرَقَ هولاكو رضيعا
قبْلَ أنْ يُنْهي مِنَ الْعُمْرِ رَبيعا
وكِتابًا ما لَهُ أيُّ بديلٍ
قَلْبُهُ أصْلًا قَضى حرْقًا فَظيعا
قدْ يَرى الإنسانُ في الحَرْبِ ضَحايا
أوْ أُناسًا قدْ أَصابَتْهُم رَزايا
قدْ يَرى الْمَشْهَدَ فيلْمًا ليْسَ إلّا
دونَ قَلْبٍ لنْ يَرى النّاسَ برايا
فَإذًا لا خيْرَ في قلبٍ حَقودِ
إنَّهُ يَحْيا كَجِسْمٍ في الْوُجودِ
إنَّهُ فَرْدٌ ولكنْ هُمْ جميعًا
لا تَرى فيهمْ سِوى لَوْنِ الْجُلودِ
وأنا ذو فِطْرَةِ الصِدْقِ فُؤادي
يرْفُضُ الإذلالَ والصَّمْتَ الإرادي
وَأَنا الشاعِرُ ذو النَّهْجِ الصَّريحِ
أعْشَقُ الناسَ وَشعْبي وَبِلادي
شاعِرُ والشِّعْرُ في قلبي صَريحُ
رُغْمَ أنَّ الْقَلْبَ مِنْ عُرْبٍ جَريحُ
سوْفَ أبْقى ثائرًا حُرًا وَشَهْمًا
لوْ دُفِنْتُ الآنَ في عُمْقِ ضَريحي
كُلَّ ما عانيْتُهُ ليْسَ لِذَنْبِ
ليْسَ أيْضًا مِنْ جُنونٍ أوْ لِعَيْبِ
إنَّما الأمْرُ لِفْرقٍ واخْتِلافٍ
فَقَطيعُ الْعُرْبِ لا يَسْمَعُ قلْبي
قدْ وَرِثْتُ الضعْفَ والذُّلَّ الْمُهينا
وفَسادَ الْحُكْمِ والْفُسْقَ الْمُبينا
ليْسَ يَعْني الْقَولُ لا دوْرَ لِمِثلي
وَسَأَبْقى في يَدِ النَّذْلِ رَهينا
هلْ يَرى مَنْ قلْبُهُ أعْمى بَريقي
فقطيعُ الرُّعْبِ أعمى في طريقي
إنَّهُمْ يخْشَوْنَ فِكْري واجْتِهادي
وَيَرَوْنَ الشِّعْرَ عِنْدي كالْحَريقِ
جُرْأَتي بَلْ صِدْقُ أشْعاري وَفِكْري
في قُلوبٍ مِنْ صَفيحٍ مِثْلُ جَمْرِ
بَعْدَ موْتي يُصْبِحُ الْقَبْرُ مَزارَا
بِوُرودٍ وَزُهورٍ فوقَ قَبْري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق