كنت أقضي أوقاتي بين بيع الكتب ومواكبة الألعاب الممنوعة في الخلاء، بين أشجار الزيتون وألواح التين الشوكي. لم يكن المكان بعيداً عن "دار الشعب"، وكنا نطلق عليه اسم "سقيفة المنطوين".
هبّ نسيم المساء الحار، وتلألأت أضواء المصابيح في قاعة الشطرنج. حثثت خُطاي العرجاء مدفوعاً بفضولٍ ملحّ لمعرفة ما يجري، فاستقبلني وميض كاميرات التصوير عند الباب. لفت انتباهي غياب الوجوه النسائية تماماً، فمن تلك التي كانت تطلق الزغاريد إذن؟ هل نافس الرجالُ النساءَ في فن الزغردة، أم أنهم تحولوا إلى صدى لأصواتٍ أنثوية غريبة استقرت في حناجرهم؟
تقدمتُ متكئاً على عصاي، أستعجل خطوي لأخمد نار الحيرة التي التهمت صدري، متسائلاً كيف أكون آخر من يعلم بسر هذا الصخب، بينما يتبعني نفرٌ من شباب عاطل اعتاد هدر أيامه في لعب الورق على رهانات بائسة.
فجأة، دوّى هتاف الجمع في الداخل: "لقد فعلتها... هزمت الرجل الحديدي!"
وسط الزحام، لمحت ابتسامة غريبة ملثمة كأهل الطوارق. دققت النظر، فلاح لي بصر ابنتي وأصابعها الرشيقة السمراء تتحرك بثقة فوق رقعة الشطرنج.
اشتد غضبي وعصفت بي التساؤلات:
لماذا تنكرت؟
لمَ ارتدت ثياب الرجال لتخفي هويتها؟
ما الذي دعاها لطمس ملامحها وتغطية قوامها الفارع؟
تلاطمت الأسئلة في رأسي دون جواب. كانت هي ملكتي في رقعة الشطرنج وفي حياتي معاً؛ فهل كبرت دون أن أنتبه؟ أنا من علّمها أسرار اللعبة، وغرس فيها شراسة التخطيط، وقاسمها ساعات التدبر، والمثابرة، والتبصر لتصل إلى القمة. فكيف تحتال عليّ وعلى وقار الأب وحكمته؟ هل خانت ثقتي، أم أنني من دفعها إلى هذا التخفي؟ حينها رنّ في ذهني صدى مَثَلٍ صحراوي قديم: "من اختار الحياة، فعليه أن يألف طعم الألم".
لم أسعَ للاقتراب منها؛ تركتها لحالها ولهتاف جمهورها، ومضيت بمحاذاة الوادي الجاف الذي لا ينبت فيه سوى الخروع، وأسيجة الصبار، وشجيرات التوت البري. قطعت خمسة كيلومترات سيراً على الأقدام نحو بيتي المتواضع، وخيالات الجولات تلاحقني: كيف ناورت؟ أي افتتاح اعتمدت؟ وبأي نقلة ذكية أسقطت حصون بطل لا يُقهر مثل "الرجل الحديدي"؟
ترى من نظّم هذا النزال؟ هل هو أخي المتعصب الذي كان يعتبر خوض الفتيات للشطرنج منكرًا وخروجاً على العرف، ودخلت معه مراراً في خصومات حادة لرفضه دخولها نادياً لا يرتاده إلا الرجال؟
بعد شهر، وصلت برقية رسمية تدعوها للمشاركة في بطولة باريس الدولية للشطرنج للفتيات. وضعتُ الرسالة فوق طاولتها وخرجت لأتأمل الوادي في سكون الليل. وحين عدت، نظرت إليّ بهدوء، وأخذت نفساً عميقاً ثم قالت دون مراوغة: "لقد كبرتُ يا أبي".
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق