تحية عطرة مفعمة بالأمل والتقدم نحو الأهداف السامية
(التنمية المستدامة , جذور إشكاليات وحلول)
رماز الأعرج ,, (*سديم*) المركز الدولي للدراسات الفلسفية والإنسانية
(المحاضرة 16 ) نقدمها كاملة لخاصية المادة ,
5 التضخم السكاني
يشكل عدد السكان وظروفه المعاصرة خطر كبير محدق متصاعد على الحياة البشرية وغيرها على كوكب الأرض , ويعتبر هذا الموضوع أي موضوع التضخم السكاني أو الانفجار السكاني كما يحلوا للبعض تسميته , سيان المقصد واحد وهو ارتفاع مضطرد ومتصاعد متضاعف لعدد السكان تحكمه قوانين طبيعية ونظام بيئي وطبيعي معين له علاقة بظروف معينة , من ضمنها القدرة البشرية المتطورة المتصاعدة في المعرفة والعلوم الطبيعة و الإنسانية , ومن ضمنها تجاوز الإنسان لقوانين الطبيعة بشكل عام وفي الكثير من القضايا الأساسية من ضمنها الاقتصاد والطبيعة المواد المستخدم والخامات الأساسية الهامة , والعوامل الصحية التي هي أيضا لها دور هام في هذا التصاعد في عدد السكان مثل العلاج واللقاحات المضادة للأمراض الوبائية وغيرها.
أن هذا الموضوع من الإشكاليات المعقدة جدا التي تواجهها البشرية , وهناك الكثير من النظريات السكانية تحاول تفسير القوانين التي تحكم مسار تطور المجتمع , وكذلك الأمر الخلاف قائم على العلاج ونوعية هذه الحلول المقترحة , وكلا يقدم حلوله بحسب الأيديولوجيا السياسية التي يتبناها , وقبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع الشائك دعنا نلقي نظرة خاطفة على بعض القوانين الكونية الشمولية , طبعا ليس جميعها لكي لا نحول المادة إلى مادة فلسفية بامتياز , لكنا بحاجة إلى استذكار بعض القوانين لتسهيل البحث وتمرين الدماغ وإعداده لهذه المغامرة الشائكة والمعقدة والملتبسة الحمالة للأوجه .
هناك قوانين شمولية تضبط هذا الكون وفق مسار معين , وهذه النواميس شمولية وتشكل الأبجديات الأولية للمعرفة وللكون والوجود , ودوما في جميع الأحوال نحن نراعي هذه القوانين دون أن يخطر ببالنا أنها قوانين كونية أصلا , والقوانين الأربعة التي سنصدها الآن تحضيرا لمادة هذا الفصل من البحث هي ,
1 : قانون التناقض الشامل
2 : قانون التوازن الشامل
3 : الكتلة والطاقة و الحيز
4 : التراكم الكمي يؤدي إلى تغير نوعي
هذه القوانين الأساسية الأربعة هي جزء من النواميس الكونية العامة الشمولية وهي في الأصل بحسب (الشيفرة الكونية) عددها يصل إلى 74 ناموس كوني شمولي , وموزعة بين قوانين أساسية وقوانين ثانوية ومقولات فلسفية منطقية) وهذه جميعها تشكل نواميس الكون الشمولية ولكنا هنا بصدد فقط الضروري والملح للمادة نستذكره ونقدمه مبسط ز مكثف جدا ومختصر كرياضة للدماغ وتحضير الفكر والوعي والإرادة من اجل العمل والبحث ,
لنأخذها تباعا كما هي واردة لكي نربطها في مساق البحث ,
1 : قانون التناقض الشامل
التناقض قانون شامل لكل الظواهر ولكل شيء موجود ويمكن أن يوجد , وأي وحدة ممكن أن نأخذها كمثل أي كانت سنجدها متناقضة وتحتوي على أنواع عديدة من التناقضات , ولا مجال للتطرق لها جميعها فهي هذا السياق فهي كثر , ولكنا نأخذ التناقض العام الشمولي منها , والتناقض نجده في شكل الأشياء والظواهر الخارجي وفي مضمونها وجوهرها كذلك , ونجده في علاقاتها الداخلية وترابطها الداخلي المشكل لوحدتها , وفي علاقاتها بالوسط المحيط بها أيضا , وفي تفاعلها مع البيئة المحلية وسلوكها أيضا , سواء كان سلوك واعي مثل الظواهر الاجتماعية أو سلوك غريزي أو فيزياء مجردة.
ومثالا على التناقض في الشكل لنأخذ مثال قريب جدا , جسم الإنسان مثلا , لو أخذنا جسم الإنسان من الجهات الأربعة , سنندهش على الفور حين نرى أن كل جهة من هذه الجات الأربعة مختلفة عن الأخرى , بل هي عكسها تماما , اليمين عكس اليسار , ولجهة الخلفية مختلفة عن الجهة الأمامية وجميعها متعاكسة , ومتناقضة ومنسجمة في الوقت ذاته , وفي نفس الوقت هي جميعها تشكل انسجام معين في وحدة وجسم واحد رغم التناقض الضروري الذي يشكل جزء من وجودها وجماليتها , وهذا من اعقد المفاهيم صعوبة على الدماغ في الممارسة المعلية .
2 : قانون التوازن الشامل
التوازن من أهم القوانين الكونية أيضا , وكل شيء أو ظاهرة لا بد لها من الاحتواء على العديد من التناقضات , ولكنها متنوعة من بينها تناقضات تناحريه ومن بينها تناقضات غير تناحريه , والتوازن يشكل العلاقة بين هذه المتناقضات بكاملها وبشتى أنواعها , وهذا أيضا من المواضيع الشائكة والمعقدة ولكنهن متاح وسهلا الفهم ما دام هناك ضوابط وقوانين شبه ثابتة نسبيا في مساحة ما من الكون .
ويشكل التوازن أساس في وجود جميع الظواهر , من الطبيعة إلى المجتمع والإنسان بكل أبعاده المادية ولفكرية الروحة , ولولا هذا التوازن بين المتناقضات التي يفعلها هذا القانون لما تمكنت الوحدة من البقاء لفترة طويلة من المن كما نرى في غالبية الظواهر والأشياء , والتوازن قانون طبيعي ومفهوم ليس بشري وهمي , بل قانون ذات فعل مادي مباشر , وحين تصل أي ظاهرة إلى تجاوز لتوازناتها الداخلية والخارجية فهذا حتما يعرضا لخطر الفناء والتحلل , و التلاشي كظاهرة متحدة مشكلة من مجموعة عنصر و متمظهرة في شكل ما .
وكذلك المجتمع البشري كظاهرة لا بد له من توازنات معينة داخلية وروابط تحافظ على وحدته وتماسكه كجماعة , وتوازن آخر خارجي بينه وبين الموسط المحيط به لكي يتمكن من الحفاظ على استمراره وبقائه واستدامة هذا البقاء .
3 : الكتلة والطاقة و الحيز
يشكل هذا القانون ركن هام من أركان الوجود الكوني ونواميسه , وهو من القوانين الهامة التي تساهم في التوازن وتوزيع الكتلة في الحيز بحسب الطاقة والقدرات الاستيعابية للمكان أو الحيز المرصود للبحث , وهذه النواميس مترابطة بشكل عنقودي عضوي متبادل التأثير والأفعال وتجاوزه يشكل خطر مروع فيما لو زاد عن الحد المحتمل , وهو في الطبيعة الأولية مثل الفيزياء يشكل السبب الأساسي لجميع الانفجارات الكونية المعروفة , بحيث يشكل خرقه المفاجئ بسبب ازدياد الطاقة في الحيز أو الزحكان (الزحكان يعني المكان الشمولي الأبعاد بحسب الشيفرة الكونية ويتشكل من الحركة والزمن والطاقة والأباعد الشمولية للمكان المرصود الظاهرة المخفية) وله دور أساسي في توزيع المادة وتنظيمها في الكون جميعه .
وفي الفن التشكيلي والهندسة يطلق على هذا القانون الكتلة والفراغ , ولكنه أكثر شمولية في المسار الفلسفي , بحيث يصبح في نطاق مفاهيمي شمولي يمكن سحبه وتطبيقه على كل شيء موجود , بعد إخضاعه للمنطق الفلسفي ومعايره , وبذلك يصبح مرشدنا في تحليل وفهم جميع الظواهر , وخاصة المتفاعلة والمتصارعة منها والعنيفة الخطرة على الطبيعة و الإنسان والحياة وقدراتها على الاحتمال وقوانينها الخاصة , وهذا الناموس لا يبالي بالمجتمع ولا بالحياة , هو فعل طبيعي متوازن وخرقه يشكل تغير حتمي على الزحكان المرصود أو الظاهرة , أي كان نوعها وطبيعتها .
في الطبيعة تجاوز هذا القانون يشكل خطر حتمي , وكذلك في المجتمع البشري وفي أي علاقة متفاعلة بين الظواهر , وخاصة ذلك النوع المباشر , مثل علاقة الإنسان بالطبيعة , هي علاقة تفاعلية تتراوح بين الفاعل والمتفاعل والمفعول , والإنسان هنا هو الفاعل والمتفاعل مع الطبيعة التي يفعّلها معه ويصبح بذلك أثر مفعول , وهذا الحدث سلبي ومدمر في التأثير سواء أبعاده القريبة أو البعيدة المدى , ولن يتغير هذا المفعول إلا إذا أوقفنا الفعل المسبب للتفاعل المضر بالطبيعة الحياة ونظامها الطبيعي المعهود .
أن قانون توازن الطاقة والكتلة والحيز يوضح لنا بكل بساطة , أن أي خرق لهذا القانون يعني خراب وتدمير للطبيعة بأشكال متعددة , والمكان الذي نعيش فيه له قدرات محددة على الاحتمال , وهذا الحيز غير قادر على تحمل نسبة كبيرة من الطاقة والتفاعل والفعل البشري , وهي غير موجودة أصلا أي طاقة المكان وقدراته على تحمل الحركة وتابعياتها الكاملة وخاصة على ضوء مستوى التأثير البشري وطبيعته المعاصرة بكل جوانبها .
يشكل ترابط النواميس الكونية وفعلها العنقودي المعقد والمتبادل أهم عامل ومدخل لفهم الظروف التي سببت التغيرات المناخية الطبيعية وتدهور قدرات الأرض الحيوية على تجديد ذاتها وبذلك تجديد الحياة , أي أن خطر الفناء يهدد البشرية إن ترك كل شيء على غاربه , ومن خلال فهمنا لهذه النواميس أيضا يمكننا وضع العلاج الأكيد والمجدي والمنسجم مع الطبيعة وقوانينها , مما يشكل ضمانة حتمية لتحقيق الفعل المطلوب تحقيقه لوقف التدهور الطبيعي والنظام الحياة .
إن هذه النواميس معا وغيرها طبعا , ولكن لنركز على هذه النواميس ونبحث فعلها وطبيعته , بحيث يشكل التناقض بكل أشكاله القانون لأول الذي يواجهه الإنسان في الطبيعة والحياة والمجتمع , ولدى الإنسان الكثير من التناقضات مع الطبيعة منها تناقضات طبيعية وضرورية ومنها تناقضات تناحريه وتناقضات انسجاميه ضرورية , وهناك توازن حتمي وضروري , لا بد من تحقيقه مع الطبيعة والحياة والوسط المحيط , وتجاوز التوازنات الطبيعية وتناقضاتها وتفاعلها المعقد والبسيط يعني مخاطر أكيدة , تراكمها يعني تحول نوعي في الطبيعة والمناخ وغيره .
4 : التراكم الكمي يؤدي إلى تغير نوعي
هذا الناموس من النواميس الأساسية ويشكل ركن من أركان الكون والفعل للنواميس والسنن الكونية الشمولية , وبحسب الشيفرة الكونية يصل عددها إلى 21 ناموس أساسي كوني حتى الآن ولا نعلم ربما غدا يكتشف نواميس جديدة تضاف إلى ما نعرفه من نواميس كونية حتى الآن .
ولكي نسير وفق قواعد المنطق الفلسفي نبدأ من البسيط ونصعد منه إلى المعقد , لنأخذ مثال من الطبيعة الأولية البسيطة , الماء مثلا , يؤدي تراكم انخفاض درجة الحرارة إلى تحول الماء إلى جليد في حال وصل إلى نقطة معينة توفر فيها شروط التجمد , أي أن يكون الماء طبيعي وغير مضاف إليه مواد معينة , يتجمد الماء بالعادة حين وصول حرارته إلى درجة الصفر وما دون , وفي حال أي ارتفاع في الحرارة عن الصفر يبدأ الجليد بالذوبان والتحول إلى حالة سائلة .
وفي حال وضعنا الماء على النار وتركناه , سيتراكم ارتفاع درجة الحرارة المتصاعد وفي حال وصلت إلى مستوى معين يقارب الغليان يبدأ الماء بالتحول إلى بخار , و يتصاعد البخار منه بكثافة , وفي حال استمر على هذا الحال فإن الماء بكامله سوف يتحول إلى بخار .
وفي الطبيعة النبات مثلا حين تراكم ارتفاع درجات الحرارة في الربيع ووصولها إلى مستوى معين , يؤدي هذا إلى تحول نوعي بحيث تتفاعل النباتات وتنموا الأزهار ويحل فصل الربيع , ومع تراكم ارتفاع درجات الحرارة يحل فصل الصيف , ويؤدي تراكم ارتفاع درجة الحرارة في المنطقة المرصودة للبحث يؤدي إلى حلول فصل الصيف , وهذا يعني تغير نوعي على المناخ والطقس ويتبعه تغير نوعي على النبات الحيوان والطبيعة بشكل عام , وفي حال استمر تراكم الارتفاع للحرارة تحدث حرائق كبيرة في الغابات الطبيعية الجافة .
في المجتمع هناك قاعدة معروفة لجميع الباحثين والإعلاميين وهي حتمية دوما , مثلا تراكم ارتفاع مستوى الظلم والتفاوت الطبقي بين الناس يؤدي إلى ثورة اجتماعية حتمية في يوما ما , و أدى تركم النضال الإنساني البشري إلى تحقيق مستوى متقدم من العادلة وأن كانت ليس بالمستوى المناسب للعصر والمرحلة من حيث التطور التقني والعلمي والمعرفي ولكنها ما زالت متعثرة على المستوى الاقتصادي والسياسي والأخلاقي والإنساني الحقيقي مع الأسف , وما زال أمام البشرية الكثير لتحقيق العدالة الاجتماعية والحياة الكريمة للإنسان .
وفي المجتمع وتفاعله الحيوي يؤدي التراكم الكمي لاستنزاف موارد الطبيعة إلى نفاذها وفقدانها , وهذا يعني حتما تغير نوعي في الحياة البشرية بحكم فقدان مادة أو أكثر من المواد الأساسية للبقاء والوجود , مثل الطاقة أو الغذاء , أو غيرها من المواد الغذائية أو غيرها المحتملة التعرض لفقدانها بالكامل .
مثال آخر يؤدي تراكم الغازات الدفيئة في الجو إلى ارتفاع حرارة الأرض , وهذا يؤدي حتما إلى تغير نوعي في الطبيعة والمناخ والحياة النبات الحيوان وغيرها , وارتفاع عدد السكان بدون توازن اقتصادي وعلمي مدروس ومنظم يؤدي إلى كوارث ومجاعات , وهذا أيضا سؤددي حتما إلى تغير نوعي في حياة البشرية ونظامها الجديد الذي سيصبح صعب ومستحيل إذا لم يجد حلول جادة ومعقولة تتناغم مع واقع الحال والطبيعة ونواميسها قبل كل شيء .
تراكم درجات الحرارة المرتفعة يؤدي إلى حرائق للغابات والأشجار , وهذا بدوره سؤددي إلى تغير نوعي في الطبيعة والمناخ و يفاقم أزمة الحرارة والجفاف , و يفاقم أزمة الأكسجين والتوازن البيئي على الأرض , وهذا حتما سيقود إلى تغير نوعي في الحياة بكاملها ونظامها , بسبب تراكمات متنوعة ومعقدة تؤدي جميعها بتراكمها إلى تغيرات نوعية تراكمية أيضا .
نلاحظ مدى الترابط العنقودي المتنوع بين هذه المؤثرات وكيف يؤدي كل منها إلى الآخر وجميعها متشابكة ومتداخلة وفاعلة ومتفاعلة و مفعولة معا , فهي صادرة عن نواميس كونية , وهذا يعني أنها شمولية ومترابطة وتأثيرها متداخل عضويا , وعلينا تفسيرها منطقيا على هذا الأساس وإلا فقدنا البوصلة ولم نصل إلى شيء مجدي في النهاية , وتراكم ارتفاع عدد السكان المضطرد المتصاعد سيؤدي إلى تغير نوعي في الطبيعة من عدة نواحي .
إن فهم إشكالية التضخم السكاني على حقيقتها يحتاج إلى فهم علمي عميق لقوانين الطبيعة والكون والمجتمع البشري والإنسان والفكر والوعي أيضا , وهذا حتما يسهل علينا الإمساك بالحركة الاجتماعية وقيادتها نحو الطريق الأفضل , وسيرها نحو تراكم الانجازات العملية والفكرية والنظرية مما يؤدي حتما إلى تغيرات نوعية إيجابية في مسار حركة البناء المجتمعية وقيادتها إلى المستقبل المشرق بأفضل الطرق وأكثرها أمنا وضمانة واقلها تكلفة وبعد أخلاقي وإنساني حقيقي منسجم وطبيعة أهداف لتنمية المستدامة التي أصبحت شبه عقيدة لثوار العالم الحقيقيين المناضلين من اجل العدالة والسلام والحياة والإنسان معا .
سديم