قصر الحروف
سافرت وإياه فوق الورق،
والمقذاف حروف عربية، عريقة أصيلة.
قطعت معها مسافات، أخذتها إلى عالم الخيال والأحلام.
الساعة تشير إلى منتصف الليل،اكتفت بعدة صفحات من الكتابة، فوضعت قلمها على المكتب واسترخت على فراشها مغمضة العين وهي تحاول الخلود إلى النوم.
لوهلة قصيرة سمعت صوتا خافتا يردد:
الأقلام المبدعة لا تنام، بل تحتضن الأنامل لكي تضعنا أمام مشاهد لا منتهية؛ منها الحزينة والمؤلمة ذات الألوان القاتمة، زواياها ترتجج ارتعاشا من كثرة الذعر والألم.
ولها زوايا أخرى ترسم الجمال والبهاء، بهجة الفرح والانعتاق والسرور، سحر الطبيعة الخلابة بوديانها وأنهارها، ثم تغريدة وزقزقة العصافير، وأزهار بألوانها الزاهية، فأغصان بلون أخضر يانع.
يا إلهي! كادت أن تضيع بعد تخيلاتها لهذا الحسن الخلاب.
فبدأت تتساءل: ما هذا البهاء المدهش؟ أترى ما أراه يا قلمي؟
عجبًا لأجوبته غير المباشرة، لقد ازدادت سرعته في الكتابة، وهي تتابع معه كل حرف وكلمة، أما عيناها المتعبتان فلا تنفكان تقرآن بشوق ولهفة، وشفتاها ترددان بصوت خافت:
لقد تهتُ، توهان وغرق.
يا إلهي، أين المفر؟ أهناك مخرج؟ هجوم غير متوقع، أحاطت بي الأبجدية من كل الجوانب، والعودة للوراء ليست من خصالي! علي الاستمرار حتى النهاية.
وبعد لحظات انتابني التعب وأصبحت أحتاج إلى استراحة حتى أستعيد قواي، لكن أدواتي تعارضني:
لا وقت للراحة الآن، علينا الاستمرار وإلا خسرنا المعركة.
إنه الليل والسكون! وقت اكتساب القوة الخارقة.
هيا يا بطلة، علينا المواصلة حتى الخاتمة.
الزمن: دجى، مساء وغيهب.
المكان: واحة خضراء، منظر خلاب.
رفعت أسلحتي الراية البيضاء، لتسبح معي في عالم الخيال.
بحر هائج: استرخت فوق موج متحرك، ما أحلى التمايل أثناء مدّه وجزره! غاصت في أجواف البحار، انبهرت ببريق الأحجار الكريمة، رأت عجائب وغرائب، وسبحت في عالم مذهل!
إلى أن رماها الموج على شاطئ بعيد، حيث عاشت لحظات مرعبة؛ لا شيء غير الغابة المتوحشة والوحوش الكاسرة! فلولا وميض إنارة ضعيفة على بعد أميال ما جعلها تمشي على أطراف الشاطئ بخطوات ثقيلة.
إلى أن حلّت سحابة كبيرة حجبت ضوء القمر، فازداد سواد الليل وعمّ الظلام بكل تفاصيله.
لم تعد ترى شيئا غير العتمة، وكاد قلبها أن يتوقف من كثرة خفقانه، فأغمي عليها.
ولم تستفيق إلا على صوت صفير قوي، وطائر كبير يعلو شيئا فشيئا.
رمقته فور فتح عينيها، فعرفت أنه الطائر الذي أنقذها وحملها من على الشاطئ ليضعها أمام قصر ساحر.
دخلت بابه الخرافي الجميل، المرصّع بحروف ذهبية مزخرفة بأجمل النقوش.
كل الحروف متلألئة وبديعة، في غاية الحسن.
وما زادها اندهاشا أنها رأت على يمينها ثلاث كلمات ينبعث منها شعاع الكرم والضيافة، ثبتت خصيصًا لاستقبالها:
أهلًا وسهلًا ومرحبًا، بمعنى عربي أصيل خالٍ من خدوش اللغة الأجنبية وشوائبها.
وبعد ذلك، وهي لا تتمالك نفسها من الدهشة والغبطة، رأت حروف الأبجدية تقدم لها تحية سلام تليق بتراثها، مرصّعة على جوانب باب صالة الاستقبال، على هيئة طبق تقليدي من التمر وكؤوس بديعة من الحليب.
فتبعت التعليمات ودخلت القصر من الباب الرئيسي، حسب تقاليد العروبة وعراقتها.
وما تقدمت ببضع خطوات حتى انهمرت عليها الحروف والكلمات كالأمطار، كلها من ذهب وألماس.
انبهرت بالمشهد وتابعت طريقها إلى الأمام، وكلما زادت خطواتها ازداد انهمار الحروف، لتتحول إلى آلاف الكلمات، استعدادا لتنظيم استعراض بديع لاستقبالها.
من شدة ترتيبها وتنميقها، قرأت كل كلماتها وجملها فاستنتجت قصة من أجمل الحكايات، تحمل عنوانا يرمز إلى لغة من أجمل اللغات:
لغتها العربية الأصيلة التي ورثتها أبا عن جد.
تابعتها بشوق ولهفة حتى وصلت إلى نقطة الختام، وكان الفجر قد هلّ بضوئه المتسرب وهوائه العليل الذي يراقص الستائر.
بحركة لا إرادية، سقط القلم من بين أناملها، وبدأ النوم يداهمها فاستسلمت له.
وفي قلبها يقين أن الحروف لا تموت، وأن الليلة القادمة تحمل حكاية أجمل.
فتحية المسعودي