الخميس، 21 أبريل 2022

من مذكرات سجين بقلم أحمد المثاني

.. من مذكرات سجين  !

  .. بعد أن جردوه من إنسانيته ، و صادروا بعضا من
ملابسه .. توسل إليهم أن يبقوا معه .. القلم ! لكنهم
زجروه و قرأوا عليه آية الصمت ..
هكذا ، بعد أن توقف الزمن على أعتاب زنزانة السجن
ذات الرائحة الكريهة .. استفاق ليجد نفسه منبوذا 
غارقا في الظلمة .. و مظاهر الحياة و الحضارة .. إلا
من أقل القليل مما يحفظ آدميته ..
كانت الأيام تمرّ ثقيلة متشابهة .. إلا من تلك الأيام
التي يلتقي الجلاد فيها .. فيأنس بسماع اللعنات تنصب
على مسمعه ..مع مرور السنين و الفصول  التي
تشابهت .. فلا ربيع و لا صيف و إن كان يذكر
زمهرير الشتاء و برده القارس ..كاد أن يفقد إحساسه
بالزمن و تقسيماته .. و ملّ من رسم الأيام على جدار 
السجن .. تلك الشحطات المتوازية التي يقطعها
خط الشهور ..
كان في السجن يستعين بخيالاته في تسلية نفسه
فيتخيل أنه في حديقة .. يشاهد الطيور و هي
تمارس حريتها ..بالأفق الرحب ..و كان يذهب
في الخيال بعيدا ..أنه يركض في السهول ، يجمع
الأزهار من الوديان ..و النسائم تعبق بشذى الزهر
نعم .. كان يصنع فصل الربيع بخياله .. و ما أن 
يستفيق من حلمه و يرفع رأسه ..ليجد نفسه 
ملقيا على مصطبة السجن الباردة… و قد تراكضت
الفئران ..بعد أن قضمت شيئا من بطانيته ..

تمرّ الأيام و السنوات ..و يستشعر أنه يفقد ذاكرته
و أن الكثير من الأسماء سقطت من ذاكرته. .
فحاول جاهدا أن يتذكر أصحابه الذين يمضي
لياليه بصحبتهم ..نسي أسماء الشوارع .. و الدكاكين
في الحارة التي عاش فيها ..
بدأت تتراءى له خيالات .. و اختلاطات… عن
الأشياء . . عن الناس .. لم يعد يتذكر أنه كان
يقرأ و.. ينظّر .. بخطط ..و شعارات ..
نسي كيف جاءوا به ..  و استغرب كيف كبرت
قدماه… و هو في السجن .. و كيف اختلفت
ملامح وجهه .. التي كان يحاول استجماعها
بتلك الصور .. 
ها هو اليوم .. يحلم بحريته ..  يحاول أن
يقنع نفسه بوجود حياة تنتظره خارج هذه الجدران 
التي حاصرت روحه .. يرسم شمسا على الجدار
و فجراً يستعيد به حريته ..
و فجأة .. يحطّ عصفور من طاقة سجنه… 
فتمتلىء نفسه بالأمل و يستشعر أن شيئا
قد التمع و أضاء قلبه .. لعلها ساعة الفرج ..
إنه نداء الحرية… يستدعيك
 إنه نداء الحياة .. و شمسها الحقيقية
قد أشرقت ..

                               احمد المثاني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

قارعتُ ظِلاً بقلم علي الموصلي

قارعتُ ظِلاً  ّ:::::::::::::: قارعتُ ظِلاً مِن مدارك يا زُحل لي خان عُمراً كم خيالٍ قد قتل إختار عُنقي كي يُمّهِدَ مَقتلي وَزدادَ ضغطاً في ا...