السبت، 31 مايو 2025

ضربة معلم بقلم علي محمود الشافعي

 ضرْبة معلم

قصة قصيرة بقلم

علي محمود الشافعي /فلسطين

 الزمان عشية وصباح الأوَّل من أيلول عام ألف وتسعمئة وتسعة وخمسين. وأما المكان فعزبة من العزب المنتشرة في منطقة رعوية في أقصى شمال الضفة الفلسطينية، تبعد عن أقرب قرية حوالي 6كم، منطقة رعوية بامتياز، واسعة شاسعة، خالية إلّا من بعض شجيرات السريس والزرد والبطم والأعشاب الرعوية، تصلح لمربي الماشية أمثالنا. تظهر فيها أيضا بعض أشجار الخروب والبلوط المعمرة ، متاخمة للأحراش التي استشهد فيها شيخ المجاهدين (عز الدين القسام) ورفاقه شمال بلدة يعبد. 

 الحال عزبة، مكونة من حجرة لسكن العائلة، ملحق بها حظيرة للمواشي وبيت كبير(الرواق) لتخزين العلف ، تبيت فيه المواليد الجديدة والماشية شتاءً. أما حجرة العائلة فمتعددة الوظائف، يصفّ فها الفراش نهارا، فتصبح غرفة ضيوف ومعيشة، ويدار الفراش ليلا فتمسي غرفة نوم، وفي ركنها الأيمن بجانب الباب أدوات بسيطة للطبخ كالقدر النحاسي وإبريق شاي ودلة قهوة وبعض الصحون والملاعق والسكاكين، ووابور الكاز الذي يستعمل ليلا لعمل الشاي والقهوة، عند حضور الضيوف، أما الطعام فيُجهّز على النار في النهار.  والزاوية أليسرى من الحجرة مخصصة لاستحمام الأطفال.

 حركة غير اعتيادية في البيت، الفرحة تعلو الوجوه خاصّةً الوالدين، فابنهم البكر (ابن الخامسة والنصف) سيذهب غداً إلى المدرسة، في أوّل يوم من أيام السنة الدراسية في الصف الأول. 

   بعد الانتهاء من حلب المواشي والتجبين (صنع الجبن) والترويب، أحضرت الوالدة وعاءً من الزنك اسمه (اللّجن أو اللّكن) بلغة أهل الشمال الفلسطيني، يستخدم عادة للاستحمام وغسيل الملابس، وذلك قبل ظهور الغسالات. أشعلت الوالدة الوابور لتسخين الماء فالجو به لسعة برد، ووضعتني في اللكن وقامت بتحميمي وهي تغني فرحة ثم البستني ثيابا جديدة أُعِدَّت للمدرسة، وهي عبارة عن قميص من الكاكي الرقيق يميل لونه للأخضر، وبنطال من الكاكي الثخين ليتحمل شقاوات الأولاد لونه عسلي , كان هذا هو زي المدرسة في ذلك الوقت ، ثم قامت فأحضرت كيسا من القماش الأبيض، تتفنن عادة الأمهات في تطريز حوافه برسومات من الفلكلور الفلسطيني، يستخدم بدل حقيبة المدرسة، التي لم تكن متوفرة إلّا لعلية القوم، ولا أظن في كلّ المدارس التابعة لوكالة غوث اللاجئين أحدا حملها، ونمت على هذه الحالة. 

في الصباح الباكر وفي غبش الليل بعد الفجر، صحيت فغسلت وجهي على عجل ولبست الحذاء الجديد، ووجدت الوالد قد شدّ الحِلْس على الحمار وامتطى صهوته، ثم أردفتني الوالدة خلفه بعد قبلتين على الخدين قائلة: دير بالك يامّا بدي ايّاك تجيبها الأولى ". ابتسمت فرحا وهززت راسي بالإيجاب، ثم ناولتني زوادة في صرة من القماش، نصف رغيف من خبز الطابون المدهون بالزيت في داخله قطعتان من الجبن وحبة من البندورة، لتناولها فترة استراحة الغداء في المدرسة.

 ما إن استلمنا الطريق خارج حدود العزبة حتى بدأت معالمها تتضح، قال الوالد بلهجة إمرة: اسمع يا ولد، تنبّه للطريق فستعود منها وحدك. كانت الطريق وعرة مهدتها خطوات الدواب من العزب الكثيرة للقرية. تمر من تحت شجرة خروب ضخمة، كنت أحسّ أنني أسير في ظلها نصف عام , قال الوالد: عليك أن تمر من تحت هذه الشجرة بسرعة فهي مرتع للدبابير وربما الأفاعي. انقبض قلبي قليلا، واختفت معالم البسمة المرسومة على وجهي ثم واصلنا السير، كانت الطريق على سفح تلة، ثم تنحدر قليلا قليلا لتقطع واديا، وتسير بمحاذاة الضفة الأخرى له، فقال الوالد: هذا السفح تحتك مليء بالكهوف التي تأوي إليها الكلاب البرية، لكن لا تخف لأنها لا تظهر إلّا بالليل، جف حلقي فما عدت أقدر على بلع ريقي. قطعنا الوادي للضفة الثانية فقال: حذار من اجتيازه أثناء جريانه في المطر، لأنه واد عميق يجرف كلّ شيء، فانتظر حتى يأتي من يساعدك على قطعه، بدأت رجلاي تتراقصان من شدة الخوف. وصلنا بداية العمار، كان علينا أن نسير قرابة كيلو متر في طريق متسعة، أكثر سهولة إلي وسط السوق ثم الانعطاف شرقا حوالي نصف كيلو إلى البيادر المقامة عليها مدرسة وكالة غوث اللاجئين، قال: تنبّه ففي الصباح يمر عجال (مجموعة أبقار) القرية مسرعا، وقد يدوسك في طريقه، فيجب أن تبتعد عن الطريق حتى يمر ثم تكمل طريقك، وصل قلبي إلى أطراف أصابع قدمي، وصلانا المدرسة وأراد أن ينزلني من على متن الحمار فوجدني كالخشبة، قلت: بصوت متهدج: (يابا الله يخليك، رجّعني ما بدي أدرس). كانت هذه آخر كلمة قلتها، بعدها رأيت الدنيا بكل ألوان الطيف، وطنين في اذني أليسرى بقي ملازمي حتى ظهور نتائج الثانوية العامة، وحصولي على أعلى معدل في شعب المدرسة كلها.

 ما رأيكم ــ دام فضلكم ــ؟ ألستم معي أنها ضربة معلم؟ بوركت تلك اليد ورحم الله صاحبها. طابت أوقاتكم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

حين تتعلم الجدران أن تسمع بقلم نشأت البسيوني

حين تتعلم الجدران أن تسمع بقلم/نشأت البسيوني  الجدران ليست فقط حدودا للمكان أو حاجزا بين الداخل والخارج الجدران تحمل قصص كل من مر بها كل ضحك...