الثلاثاء، 13 يناير 2026

الطيف 4 بقلم سامي المجبري

الطيف 4
بقلمي سامي المجبري. 
بنغازي ليبيا. 

لم يعد الزمن يتحرك كما أعرفه. الممر ذاته، الطابق السابع، المصباح الأصفر، لكن الوجوه تغيّرت. صرتُ أميزهم الآن؛ أرى لحظة انكسار كل واحدٍ فيهم، أسمع أنفاسهم قبل أن يصلوا، وأشعر بخوفهم يتسلل إليّ كعدوى. كنتُ حارسًا… رغماً عني.
في إحدى الليالي، توقف المصعد وفتح بابه ببطءٍ مريب. خرجتْ امرأة مسنّة، تتكئ على عصا، تتمتم بأدعيةٍ متقطعة. كان قلبها يقرع الممر قبل قدميها. حاولتُ الاقتراب، لوّحتُ بيدي أمام وجهها، صرختُ باسمٍ لا أعرفه، لكنها مرّت من خلالي، كأنني هواء ثقيل. توقفت أمام باب شقتي القديمة، ارتجفت يدها وهي تُخرج المفتاح.
حين لامس المفتاح القفل، صرخ الممر كله. اهتزّت الجدران، وتشققت الأرضية، وظهر ذلك الظل من جديد، أطول وأوضح، ملامحه تتشكل من وجوهنا نحن الحراس. التفتت المرأة فجأة، نظرت نحوي مباشرة. رأتني. اتسعت عيناها رعبًا، وسقط المفتاح من يدها.
ابتسم الظل، وامتدت أذرعه من كل اتجاه. حاولتُ دفعها بعيدًا، شعرتُ لأول مرة بوزنٍ في يدي، كأن إنسانيتي تعود للحظة واحدة. صرختُ فيها: «لا تفتحي الباب!» خرج صوتي مبحوحًا، مشوهًا، لكنه كان حقيقيًا.
تراجعت المرأة خطوة، ثم أخرى. فجأة، انطفأ المصباح. في الظلام، سمعتُ ارتطام العصا بالأرض، ثم صمتًا طويلًا. عاد الضوء… ولم تكن المرأة موجودة. فقط العصا عند باب الشقة، والباب مفتوح نصف فتحة.
شعرتُ بضحكة تتردد داخل رأسي، ليست لي. قال الصوت: «تظن أنك أنقذتَها؟» نظرتُ إلى الجدار، فرأيتُ انعكاسًا جديدًا ينضم إلينا، وجه المرأة محفورًا في الحائط، فمها مفتوح في صرخةٍ أبدية.
أدركتُ الحقيقة الأكثر رعبًا: الحارس لا يمنع المصير… الحارس يشهده فقط. ومع كل شاهدٍ جديد، يقترب دوري لأعود إنسانًا… بثمنٍ لا أجرؤ على تخيّله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

قارعتُ ظِلاً بقلم علي الموصلي

قارعتُ ظِلاً  ّ:::::::::::::: قارعتُ ظِلاً مِن مدارك يا زُحل لي خان عُمراً كم خيالٍ قد قتل إختار عُنقي كي يُمّهِدَ مَقتلي وَزدادَ ضغطاً في ا...