بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳
تهادت خطواتها نحوي ببطء واثق، متناغمة مع قوامها الرشيق. كانت تبتسم، محمرة الخدين، طويلة القامة، ممتلئة الأنوثة دون ابتذال. شعرها الأسود الطويل يرقص مع النسيم، وكل من يعترض طريقها يرشقها بعبارات الإعجاب.
كاد قلبي يهلك. تضاعفت دقاته حتى فقدت توازني. ارتعد جسدي، تجمد الدم في عروقي، وانحبس الهواء في صدري. تلعثم لساني، تصبب العرق من جبيني، وأنا أردد داخليًا:
تبارك الله، ما شاء الله.
أهي هي؟ «ملكة الملكات» كما سمت نفسها على الفيسبوك؟
حبيبتي التي تعرفت إليها منذ سنتين في إحدى مجموعات هذا الفضاء الافتراضي؟ تلك التي تبادلتُ معها الكلمات والصور ووعود الحب، قبل أن تصارحني بأن اسمها الحقيقي «الجازية»، وأنها ترفض فتح الكاميرا أو إرسال صورها إلى أن نلتقي وجهًا لوجه ونضع النقاط على الحروف؟
تجمدت في مكاني، وعيون الناس تراقب المشهد. لم أشك لحظة أنها الجازية بعينها؛ قلبي وعقلي وكل كياني انهار لرؤيتها. كانت تلوّح لي من بعيد، كأنها تؤكد أنها تحدّت أسرتها المحافظة وقيود هذا المجتمع التقليدي، وقررت المجيء بعد ترددي ومماطلتي الطويلة.
داهمتني رائحتها، اقتحمتني. استعمرني عطرها، وكبلني وقع حذائها، فنسيت بتهوفن وكل ما سمعت من موسيقى بعد الاستمتاع بهذه الموسيقى العذبة . أنهى توازني كفها حين لامس كفي بحنان. كدت أفقد وعيي حين قبّلت خدي وضمّتني إليها بحرارة أنستني ظلمة القبر وعذاب النار.
ثم نطقت…
وليتها ما نطقت.
كان صوتها غليظًا فجًّا، قبيحًا، منفّرًا، منزوعًا من كل ذوق وتربية. لا يشبه شيئًا مما كانت تكتبه وتدّعيه على تلك المنصة الملعونة. قالت، وقد استعدتُ شيئًا من وعيي:
– هيا بنا إلى منزلك يا علاء، اشتقت إليك.
– (مصدومًا) أيّ منزل تتحدثين عنه؟ لماذا لا نذهب إلى مقهى ونتقاسم بعض الوقت؟
– (ساخرة، ثم ضاحكة بصوت عالٍ) مقهى؟! هل تحديت الجميع من أجل مقهى؟
– (متلعثمًا) كل أفراد عائلتي في المنزل، ولا يمكنني اصطحابك قبل الارتباط بك.
– (مقهقهة) الارتباط بي؟! يا لك من غبي.
احمر وجهها، وتطاير الشر من عينيها. بصقت أرضًا وقالت بصوت مرتفع:
«رجال آخر زمان… تأتيهم اللقمة إلى أفواههم مجانًا، فيفضلون الجوع. تبا لهذا النوع من الرجال.»
استدارت وغادرت مزمجرة، قبل أن تقف برهة مع أحد أصدقائي، تمسكه من ذراعه، ثم غابا عن الأنظار في لمح البصر.
منذ ذلك اليوم، حظرتني من منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن استهزأت بي عبر تدويناتها وقلبت الحقائق. ادّعت أنني وأمثالي نتزين بالوعظ والدين والتربية والأخلاق في الظاهر، بينما نحن —كما قالت— وحوش آدمية تنقضّ على فرائسها بشراسة متى سنحت الفرصة. بكت واشتكت، فتعاطف معها القاصي والداني،قال بعضهم إن هذا السلوك شاذّ بين الجنسين، وإن الشاذّ يُحفَظ ولا يُقاس عليه، ورأى آخرون أن الفضاء الافتراضي، شأنه شأن كل شيء، له إيجابياته وسلبياته، ومنها ما ذُكر وما لم يُذكر.
أما أنا، فلم أجد ما ألوذ به سوى أن أردد:
حسبي الله ونعم الوكيل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق