الأحد، 8 فبراير 2026

الرواية الكونية العظمى بقلم ماهر اللطيف

الرواية الكونية العظمى
(خاطرة)

بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳 

الروايات والمجموعات القصصية ليست مجرد حكايات، بل وثائق تحفظ الذاكرة الجماعية، ترصد اهتمامات الإنسان، آلامه، صراعاته وأسئلته الكبرى. وفي قلبها يقف الإنسان، لا بوصفه كائنًا عابرًا، بل شخصية فاعلة تحرّك الأحداث وتمنحها معناها.

ولعلّها، في جوهرها، ليست سوى صورة مصغّرة لتلك الرواية الكونية العظمى: الحياة.
ومن هنا يطفو السؤال:
ما دور الإنسان في هذه الملحمة المقدسة؟
أهو شخص يعيش، أم شخصية تؤدي دورًا؟
وهل نتحرك بإرادتنا، أم تُحرّكنا حبكة محكمة لا نراها كاملة؟

قبل الغوص في هذه الأسئلة، لا بدّ من توضيح الفارق بين الشخص والشخصية.
فالشخص هو الإنسان المخلوق من تراب، المكرّم بالعقل والإرادة، الحاضر جسدًا وروحًا.
أما الشخصية فهي الدور الذي يتقمصه هذا الإنسان داخل مسرح الحياة، وفق ما تتيحه له قدراته، تجاربه، ووعيه، وهو يؤديه بصدق أو تقصير، بإبداع أو عجز.
الشخص إذن حقيقة مادية،
والشخصية معنى،
صفة،
وأثر.

أما الرواية، فهي حكاية الكون التي حبكها الواحد الأحد، زمانها ومكانها، أحداثها ومساراتها، بدقة لا يبلغها بشر. فيها يلعب القدر دور الراوي، ينقل الوقائع كما كُتبت، دون زيادة أو نقصان.

الحبكة هنا هي الحياة نفسها، امتحان مفتوح، تتقاطع فيه الأدوار وتتشابك المصائر.

والعقدة هي الابتلاء: تلك اللحظات التي ينكسر فيها المسار، وتُدفع الشخصية إلى مواجهة ذاتها، بحثًا عن مخرج، عن معنى، عن ضوء في آخر النفق.

أما الحل، فهو الخلاص، إدراك اليسر بعد العسر، أو الرضا إن طال الانتظار.

فهل نحن أشخاص أم شخصيات؟

نحن الاثنان معًا.
نحن أشخاص مخلوقون بإتقان،
وشخصيات نؤدي أدوارنا في هذا الأثر الكوني، كلٌّ بحسب موقعه ومهمته، وبقدر ما أوتي من علم وتجربة واستعداد.
نؤدي أدوارًا متباينة، أحيانًا متناقضة، تتقاطع زمانًا ومكانًا، تخدم حبكة لا نرى منها إلا مشهدنا الخاص. وقد نُهزم لحظة، أو نُخذل، أو نُبتلى، بينما يستمر الراوي في نقل التفاصيل بأمانة، كما خُطِّط لها.

كيف نتحرك؟ ومن يحركنا؟

يوضع الإنسان في مشاهد متعددة، ويُمنح هامش الحركة، حرية القول والفعل، فيكتب سلوكه سطوره بيده، داخل إطار لا يخرج عنه. فالسيناريو يُرسم، لكن الأداء إنساني، مسؤول، ومحاسَب عليه.

وهل تنتهي أدوارنا بانتهاء الحياة؟

لكل شخصية بداية ونهاية في رواية الدنيا، من الولادة إلى الوفاة. وبينهما يُؤدّى الدور، يُجتهد فيه، ويُختبر. فإذا أُسدل الستار، لم تنتهِ الحكاية، بل تبدأ رواية أخرى، رواية الآخرة، حيث تُستأنف الأدوار على ضوء نتائج الامتحان الأول.

 نهاية،فقد خلق الله الكون ومن فيه، الزمان والمكان، الشخصيات بمختلف صورها، وجعل الحياة محور هذه الرواية العظمى. وزّع فيها الخير والشر، الفرح والحزن، الانكسار والأمل، فكانت رواية محكمة لا يقدر على حبكها سواه.

ويبقى السؤال معلقًا، لا جواب له إلا في الضمير:
هل أدّينا أدوارنا كما يليق؟
هل سعينا لإرضاء الكاتب، فنلنا أدوارًا أسمى؟
أم قصّرنا، فكان لنا من أدوار العاقبة ما لا نرجوه ولا نتمناه؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

يا صديقي بقلم مريم أمين أحمد إبراهيم

يا صديقي..... أنت عنواني في دروب حيرتي ووطني الساكن في شرياني أنت عطري الراحل في سماء الأوطان ونجمي اللامع في سمائي أنت مرآة عقلي ، وإنعكاس ...