أنا مَن كَتَبْ..
لا رغبةً في التَّرفِ، أو مَدحِ المنابرْ
بل كانَ في صدري نداءٌ هائجٌ..
يأبى التَّصَبُّرَ في الحناجرْ
أدركتُ منذ البدءِ أنَّ الكلمةَ البيضاءَ..
ليست مَحضَ حِبرْ
هيَ ذِمّةٌ..
هيَ أمانةٌ عُظمى..
وإنْ لم تُولَدِ الكلماتُ مِن صِدقٍ..
تَمُتْ قَبلَ العبورِ إلى البصائرْ!
أنا مَن كَتَبْ..
إذ هَزَّ وجداني نداءُ "اقرأ"
فكانَ مِيلادي..
وكانَ الحرفُ مِعراجي إلى النُّورِ الأتَمّْ
مِن ضِيقِ جَهلٍ غارقٍ في عَتْمِهِ..
لِسِياجِ مَعرفةٍ تُبدِّدُ كلَّ هَمّْ
فالعِلمُ خَشيتُنا التي نَحيا بها..
والآيُ تُخبِرُنا: "هل استوى"
مَن يُبصرُ الضوءَ المُبينَ..
ومَن تخبَّطَ في الظُّلَمْ؟
فجعلتُ مِن قلمي سِلاحًا..
يقطعُ الشَّكَّ ويُعلي لِلفُهومِ مَنارَةً..
فوقَ القِمَمْ.
أنا مَن صَهَرْتُ الحرفَ بَعدَ عذابِهِ..
وقاتلتُ المعاني..
كَي تستقيمَ لِصَوتِ رُوحي
جَمَعتُ أشلائي.. ونفختُ فيها نَبضَها
فغدَتْ كيانًا..
يَمشي بصمتٍ بينَكم..
يَحكي لَكم.. عَنّي وعَن أوجاعِكم..
ويُلمدِمُ الجُرحَ الذَّبيحَ معَ الجروحِ.
أنا لم أصمِّمْ لِلكتابِ غِلافَهُ..
بل كانَ رحلةً..
تَقتادُ مَن ضلَّ الطريقَ لِذاتِهِ
كالمِرآةِ يَنظرُ وسطَ أسطُرِها..
فَيُبصِرُ وجَهَهُ.. وحكاياتِهِ
أطلقتُ جُملي في الغَفَلةِ.. شُهُبًا
لا تُقرأُ بالحسِّ..
بل تُدركُها الرُّوحُ في خَلَواتِهِ.
سأظلُّ أكتُبْ..
ما دامَ في القلبِ الصَّبورِ نَبضةٌ
فالحرفُ قَدري..
والقلمُ الشاهدُ المرفوعُ فوقَ الورقْ
أكتُبُ.. لا بحثًا عن كلماتٍ تائهةٍ
بل لأنَّ الكلماتِ تبحثُ عَن مَلاذٍ..
في دَمي المَسفوكِ شَوقًا.. للفَلَقْ
أكتُبُ لِأمنحَ حُزني صَوتًا..
وأزرعَ في العَتْمةِ ضوءًا..
وأكونَ "أنا"..
بلا خَوفٍ.. بلا قَيدٍ..
بلا أرقْ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق