قصة بيت الشعر الشهير : ( إن غداً لناظره قريب )
قصة من قصص الوفاء عند العرب في الجاهلية ..
القصة هي عن حنظلة بن عفراء الطائي .. من قبائل طي القحطانية ..
القصة بدأت عندما كان النعمان ابن المنذر ملك مملكة المناذرة في الحيرة خارجاً للصيد مع موكبه الملكي ..
النعمان هو أشهر ملوك العرب في التاريخ .. وكان يركب حصانه الشهير الذي اسمه اليحموم .. واليحموم هو فرس أصيل من أفضل سلالات الخيل العربي ..
عرض موكب الصيد ظبي .. ومن عادة النعمان أنه يحب أن ينفرد بالصيد وحده .. فلحق بالظبي على ضهر فرسه اليحموم ..
و اليحموم جن جنونه وعصى صاحبه النعمان و انطلق شارداً في الصحراء دون توقف .. بقي الحصان يركض في الصحراء حتى تقطع نفسه ووقف .. فوجد الملك النعمان نفسه وحيداً تائها في وسط الصحراء الواسعة ..
ضاع النعمان في الصحراء و لم يعلم كيف السبيل للعودة الى مملكته في الحيرة .. فمشى في الصحراء حتى وصل الى خيمة لا يوجد فيها إلا رجل و زوجته وليس لديهم إلا شاة واحدة ..
كان الرجل يدعى حنظلة ابن عفراء الطائي .. فإستضاف حنظلة النعمان دون أن يعلم أنه ملك .. وذبح له الشاة الوحيدة التي يملكها ليطعمه منها ..
وبعد أن أنهى النعمان طعامه طلب من حنظلة خمراً .. ولم يكن عند حنظلة خمراً .. فذهب حنظلة الى قبيلته وجلب لضيفه الخمر ..
كان حنظلة يخدم ضيفه بكل كرم الضيافة عند العرب دون أن يدري أو يعلم أن ضيفه هو الملك النعمان ابن المنذر ملك مملكة المناذرة الذي سمعته و شهرته وصلت الى كل العالم ..
شرب النعمان الخمر و نام ليلته في خيمة حنظلة وعندما صحى في الصباح سأل النعمان حنظلة عن الطريق الى الحيرة فدله حنظلة على اتجاه الطريق ..
ركب النعمان حصانه اليحموم و إلتفت الى حنظلة وقال له يا أخا طي أُطلب ثوابك .. ماذا تريد ثمن ضيافتك لي .. اطلب ما تريد وسأعطيك ..
قال له حنظلة نحن العرب لا تأخذ ثمن الضيافة
فقال له النعمان هل تعلم من أنا ؟
قال له حنظلة لا أعلم سوى أنك ضيفي وهذا حسبي
فقال له النعمان أنا ملك الحيرة .. أنا النعمان ابن المنذر .. وانت من اليوم صديقي .. وفي أي وقت احتجتني تعال الى قصري وسألبي حاجتك مهما كانت ..
ذهبت الأيام ومرت الأيام ووقع حنظلة في ضائقه مالية وإحتاج العون .. فتذكر النعمان .. وقرر ان يذهب ليطلب المساعدة من النعمان ..
النعمان ابن المنذر كانت لديه عادة سيئة .. كان عنده يوم بؤس ويوم نجاة .. من يأتيه بطلب في يوم البؤس يقتله .. ومن يأتيه في طلب يوم النجاة يكرمه و يعطيه المال و الهدايا ..
أي انه كان لديه يوم نعيم و يوم جحيم .. وقصة هذه العادة أن النعمان كان لديه شقيقين .. واحد اسمه خالد و الآخر عمرو .. وكان الشقيقين دائما ينادمونه في الشراب .. كانوا ثلاثتهم يشربون الخمر في كل مساء .. فمرة من المرات ثمل النعمان ثملاً شديداً .. فراجعوه في أمر إخوته فقتلهم .. وعندما صحى النعمان في الصباح من سكرته سأل حاشيته أين اخوتي خالد و عمرو ؟ فقال له الناس أنك قتلتهم ليلة أمس .. فحزن النعمان و ندم ندماً شديداً .. وكان يجلس في يوم بؤسه بين قبري اخوانه وإذا اتى إليه أحد وقاطعه في يوم حزنه و بؤسه على أخويه يقوم بقتله ويصبغ بدمه قبور أشقائه ..
فكان من المستحيل ان يأتي اليه شخص في يوم بؤسه ولا يقتله .. كائن من كان هذا الشخص فلا بد أن يقتله ..
وفي يوم النعيم يجلس النعمان بين قبور اخوانه خالد و عمرو وأول شخص يأتي إليه في ذلك اليوم يكرمه كرماً شديداً ..
في أحد الأيام ذهب حنظلة الى النعمان طالباً منه مساعدة له ولأهله .. فكان من سوء حظ حنظلة انه وصل الى النعمان في يوم البؤس .. وعندما كان يجلس النعمان بين القبرين تفاجأ بحنظلة الطائي يقترب منه .. فقال النعمان ألم تجد غير هذا اليوم يا طائي ؟؟؟ ليتك جئتني في غير هذا اليوم .. والطائي لم يكن يعلم بأمر هذه العادة .. فقال له النعمان جئتني في يوم البؤس وسوف أقتلك الآن ..
فقال له الطائي انا جئتك في حاجة وانت قلت لي تعال .. جئت بناء على طلبك فكيف تقتلني !!!
قال له النعمان لا مفر من قتلك أيها الكريم .. اني سأقتلك لكن اطلب مني أي شيء قبل ان اقتلك .. فاني أريد ان أرد لك معروفك قبل ان اذبحك ..
قال له حنظلة الطائي لا حاجة لي أن أطلب اذا كنت سأفقد حياتي لا محالة .. لكن طلبي الوحيد منك هو أن تؤجل قتلي ريثما أذهب لأودع أهلي ثم أعود لك لتقتلني ..
فرفض النعمان .. فنظر حنظلة الى حاشية النعمان و وزراءه فشاهد منهم شخصاً يعرفه اسمه الشريك ابن عمرو .. فطلب الطائي من الشريك ابن عمرو ان يكفله عند الملك و يضمن عودته له .. فقال له حنظلة الطائي :
يا شريكاً يا ابن عمر .. هل من الموت محاله
يا أخا كل مصاب .. يا أخا من لا أخا له
يا أخا النعمان فك اليوم ضيقاً .. قد اتى له
فرفض شريك ان يكفله و يضمن عودته لأنه اذا لم يعد فإن النعمان سيقوم بقتله بدلاً منه ..
كان يقف بين الرجال الذين شاهدوا الموقف بين الطائي و شريك رجلاً اسمه قراضة ابن الأجدع .. فما هانت على قراضة أن تذهب أبيات الطائي و إستنجاده في الهباء .. فقال قراضة للنعمان أنا أضمن عودة هذا الرجل ..
فأطلق النعمان سراح حنظلة الطائي وأعطاه خمسمائة ناقة لأهله .. وأعطاه مهلة عام كامل ليعود إليه في نفس هذا اليوم ليقتله وإلا قتل قراضه ابن الأجدع بدلاً عنه ..
فذهب الطائي و مضت جميع أيام السنة ولم يعد الطائي .. فأمسك النعمان بقراضة في اليوم الأخير من السنة وقال له يا قراضة لقد ولى صدر آخر يوم في السنة وإن لم يعد الطائي في الغد فإني سوف أقتلك ..
فقال قراضة ابن الأجدع للنعمان ابن المنذر أشهر بيت في الشعر العربي لا زالت تردده العرب الى يومنا هذا :
( إن كان صدر هذا اليوم قد ولى .. فإن غداً لناظره قريب )
ومع شروق شمس اليوم الأخير جاء النعمان ليذبح قراضة .. فقال له الناس لم ينته اليوم بعد .. انتظر حتى غروب الشمس .. وعندما اقتربت الشمس من المغيب و النعمان و الناس ينتظرون انتهاء اليوم جاء من بعيد رجل يركب ناقة .. وعندما اقتربت منهم الناقة وإذ هو حنظلة الطائي ..
نزل الطائي عن ناقته وجلس بجوار قراضة أمام النعمان .. فقال له النعمان هل أنت مجنون ؟ .. لماذا عدت أيها الأحمق وأنت تعلم اني سأقتلك لا محالة ؟
فقال له الطائي لقد عدت لأوفي وعدي لقراضة .. وقال الطائي شعره الجميل عن نخوة و شهامة قراضة :
ما كنت أخلف وعده بعد الذي .. اسدى إليَّ من انفعال حالي
ولقد دعتني الى الخلاف ضلالتي .. فأبيتُ غير تمجدي و فعالي
إني إمرؤٌ مني الوفاء سجيةٌ .. والوفاءُ بعضٌ من مكارم أخلاقي
فقال النعمان قم يا قراضة .. وقم أنت أيضاً أيها الطائي .. فلا أدري أيكما أكثر وفاء من الآخر .. هل الذي ضمن شخصاً لا يعرفه و وضع نفسه مكانه في الموت أم الذي نجى من الموت و عاد إليه لأجل الوفاء ! .. فوالله إني النعمان لن أكون ألئم الثلاثة .. أنت وفي و هو وفي وإني لن أكون اللئيم بينكم ..
لقد عفوت عنكم ولن أقتل أحد منكم .. بل أيضاً اني أُعلن من هذه اللحظة اني لغيت يوم البؤس وفاءً لكما .. فأنا عربي مثلكما ولن تكونا أوفى مني ..
قصة من قصص الوفاء عند العرب في الجاهلية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق