الأحد، 24 أبريل 2022

أخلاق عربية

 أخلاق عربية 

اليوم سوف نتحدث عن شخص عربي شهم ونبيل جدا عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام ولم يسلم هذا الشخص إلا في وقت متأخر جدا .. بطل الليلة هو عثمان بن طلحة من بني عبد الدار من قريش .. 

وعبد الدار هو أخو عبد مناف جد الرسول عليه السلام .. ويلتقي عثمان بن طلحة ومحمد عليه السلام في الجد الأكبر قصي بن كلاب ..

وبني عبد الدار هم سدنة البيت الحرام الذين معهم مفاتيح الكعبة من عهد قصي بن كلاب الجد الأكبر قبل الإسلام إلى عهد بني شيبه في وقتنا الحالي .. وبني عبد الدار فوق انهم سدنة البيت الحرام كذلك كانت لهم شجاعة في الحرب منقطعة النظير حتى أن قريش جميعها كانت تخشاهم .. 

بني عبد الدار كانو حملة راية الكفر والإشراك في الحروب ضد المسلمين .. وفي معركة أُحد كانو حملة راية قريش في الحرب وتعاهد فرسان بني عبد الدار أن لا تسقط راية قريش على الأرض خلال المعركة وفيهم رجل واحد على قيد الحياة .. 

ومن يقرأ سيرة بني عبد الدار يجد أن بني عبد الدار كانو قمة في الشجاعة وكانو يحسبون من شجعان قريش وعموم العرب .. حتى عبيدهم كانو شجعان مثلهم ..

في معركة أُحد بدأ طلحة ابن ابي طلحة _ الذي هو والد عثمان الذي سنتحدث عنه اليوم _ بدأ هو المعركة في أُحد .. حيث خرج لجيش المسلمين ونادى للمبارزه .. وكان يركب على جمل عظيم وضخم .. وكان هو ضخم البنيه والجسد أيضا .. بدأ طلحة ينادي للمبارزه وكان المسلمين يحجمون عنه ويتحاشونه لأن شكله كان مخيف ويثير الرعب .. حيث كان يحمل راية قريش ويرتدي درع حديدي وخوذه رأس ومتجهز للحرب .. وكان المسلمين يعلمون مدى شجاعته وانه رجل انتحاري لا يهاب شيء .. فأراد أن يخرج له علي بن أبي طالب إلا أن المسلمين منعوه من الخروج له فخرج له صنديد من صناديد قريش وهو الزبير ابن العوام .. كان الزبير أصغر عمرا وحجما من طلحة قائد المشركين لكن الزبير كان خاله حمزه بن عبد المطلب صائد الأسود وكما يقول المثل العربي بأن ثلثين الفتى لخاله .. فكان الزبير بن العوام عبارة عن شعلة من الشجاعة ..

قفز الزبير بن العوام على الجمل الضخم العظيم الذي يركبه طلحه وأمسك طلحه من أُذنه وشد طلحه من أُذنه وأسقطه أرضا .. وقطع رأسه أمام جيش المشركين فكان منظر مهول للمشركين وللمسلمين على حد سواء .. منظر مهول بأن يقتل الزبير طلحة بن أبي طلحة بهذه الطريقة وقريش أعلم ببعضها وقريش تعلم من كان طلحة فيها !!

قُتل طلحة وسقطت الراية من يده فأخذها أخو طلحة فقُتل فأخذها أخوه الثاني فقُتل فأخذها أخوه الذي بعده فقُتل فأخذها أخوهم وهكذا حتى قُتل ستة أخوة من بني عبد الدار في سبيل أن لا تسقط راية قريش أرضا .. قُتل أبو عثمان ابن طلحة الذي سنتحدث عنه وقتل خمسة من أعمامه أيضا في معركة أُحد .. وبعد أن قُتل الستة أخوه من بني عبد الدار استلم راية قريش في المعركة أبناء عمهم من بني عبد الدار أيضا فقُتل الأول والثاني والثالث والرابع .. قُتل أربعه من أبناء عم الستة الذين قتلوا ليصل عدد قتلى بني عبد الدار في معركة أُحد الى عشرة .. فلم يبقى منهم أحد حُر في المعركة فاستلم الراية واحد من عبيدهم .. فكان عبد بني عبد الدار اسمه الصواب الحبشي أخذ الراية وركزها وقاتل قتال الميت الذي لا يوجد شيء ليخسره .. فقطع المسلمين يده فحمل الراية بيده الثانية ولم تسقط الراية منه حتى قطع المسلمين رأسه .. فبسقوط العبد صواب الحبشي أصبح عدد قتلى بني عبد الدار أحد عشر قتيلا .. وبسقوط راية قريش بعد مقتل بني عبد الدار لم يتجرأ أحد من المشركين بأن يرفع الراية مجددا في المعركة ..

فتخيل الآن نفسية عثمان ابن طلحة الذي مات أبوه وخمسه من أعمامه و أربعة من أبناء عم أبوه وعبد أبوه في معركة أُحد .. تخيل نظرته تجاه الإسلام والمسلمين بعد أن سقط أحد عشر قتيل من أهله ..

أصلا نظرة عثمان للإسلام قبل مقتل أبوه واعمامه وابناء عمه لم تكن نظرة جيده .. كان شديد العداء للمسلمين وكان دائما يشتم المسلمين ويشتم الرسول عليه الصلاة والسلام .. فقد كان عثمان دائما يترصد للرسول ويسمعه كلام قاسي ومؤذي .. 

وبحكم أن بني عبد الدار كانو سدنة البيت الحرام فقد كانت مفاتيح الكعبة معهم .. وكانو يفتحون الكعبة كل يوم اثنين وخميس من كل أسبوع .. وكان البرتوكول المتبع في مكة أن الكعبة لا يجوز أن يدخلها أحد سوى من كان من سادات وأشراف قريش أو من كان قصي بن كلاب جده .. 

ففتحوا الكعبه في يوم من الأيام وكان من ضمن الناس الذين سيدخلون الكعبة محمد عليه الصلاة والسلام.. وكان النبي محمد في بداية دعوته لم يكن قد هاجر بعد .. وكان يقف عند باب الكعبة عثمان بن طلحة .. فتواجه محمد عليه الصلاة والسلام مع عثمان بن طلحة على باب الكعبة .. فبدأ عثمان بن طلحة يشتم الرسول ويغلظ له في الكلام وكان الرسول حليم معه .. كان عثمان يسب الرسول والرسول يرد عليه بكل حلم ويقول له : يا عثمان لعلك سترى المفتاح هذا الذي في يدك يوما ما في يدي أنا وسأضعه يومها بيد من أشاء !

فعندما سمع عثمان هذا الكلام من الرسول قال له إذا قد هلكت قريش ذاك اليوم وذُلت .. فقال له الرسول بل عُمرت و عُزت يومئذ .. ودخل الرسول لداخل الكعبة وبقي عثمان خارج الباب وهو يقول لقد وقع كلامه في قلبي وكأن الأمر حاصل لا محاله ..

دارت الأيام وهاجر الرسول عليه الصلاة والسلام مع الصحابة الى يثرب فأصبح مركز المسلمين المدينة ومركز المشركين مكة ..

فجاء يوم من الأيام بعد معركة أُحد بعد أن قُتل لعثمان أحد عشر شخصا من أهل بيته .. كان عثمان خارجا لأمر ما خارج مكة فتصادف في البر بعيدا عن مكة مع أُم سلمة رضي الله عنها .. وكانت أُم سلمة ليس معها شيء سوى ابنها الصغير .. كانت خارجه من مكة مهاجره الى المدينة لتلتحق بالمسلمين هي وطفلها .. وكان زوج ام سلمة هو ابو سلمة من بني مخزوم وهو أخو الرسول في الرضاعة وابن عمته في نفس الوقت .. وكان زوج ام سلمة واحد من أبطال المسلمين في معركة أُحد وقد قتل من أهل عثمان بن طلحة عددا منهم ..

وجدها في الصحراء لا يوجد معها غير ابنها الصغير فنادى عليها الى أين يا بنت أبي أمية ؟! الى أين تذهبين وحيدة مع طفلك في هذه الصحراء ؟! فأيقنت أم سلمة بأن عثمان رجل موتور بأهله وخسارته فادحه وبأن زوجها شارك في مقتل أهله لكنها قالت لن أقول إلا الصدق .. قالت له اني مهاجرة الى الرسول عليه السلام والى زوجي في المدينة !

ماذا تتوقعون أن كان رد عثمان بن طلحة على ام سلمة زوجة أحد المشاركين بمقتل والده واعمامه وفوق هذا فهي مسافرة الى عدوه الأول محمد عليه السلام !

هل تتوقعون أنه سيأخذ ولدها الصغير من حضنها ويقطع رأسه أمامها ويأخذها أسيرة ليبتز المسلمين في إحدى نساءهم ؟! 

كلا .. وألف كلا ..

لأن عثمان كان رجل .. رجل تحكمه أخلاق العرب .. 

عداوة عثمان بن طلحة كانت مع الرجال مع المسلمين وليس مع أم سلمة المسكينة وولدها الصغير في البر .. فلا يوجد رجل يجعل المرأة خصما له إلا الرجل الذي لديه نقص في نفسه .. وعثمان لم يكن من الرجال الناقصين بل كان من الرجال الرجال .. فقد كان اختلافه مع رجال المسلمين وليس مع نسائهم وأطفالهم ..

فقال عثمان بن طلحة لأم سلمة أتخرجين من مكة إلى المدينة لوحدك في هذه الصحراء ؟! والله ما لكِ مترك يا أخت العرب ..

اختلاف العقيدة بين عثمان بن طلحة والمسلمين لم تنسيه أخلاقه ومروءته وشهامته العربية .. 

اختلاف العقيدة لم تمنع عتبه أحد زعماء المشركين الذي قُتل في معركة بدر أن يعطف ويحن على الرسول بعد أن طردته وأذته ثقيف 

اختلاف العقيدة لم تمنع ابو سفيان رأس الشرك بأن يقول كلمة حق في حق الرسول أمام هرقل عظيم الروم 

اختلاف العقيدة لم يكن مبرر لأبو جهل أشد الناس كفرا بأن يكسر الباب على محمد ويروع بناته 

انها الأخلاق العربية الذي نزل عليها الإسلام أصلا 

فقال عثمان بن طلحة لأم سلمة ما لكِ مترك يا أخت العرب .. أي أنه لن أتركك تسافرين لوحدك في هذه الصحراء فأنا أخشى عليكِ من مخاطر الطريق .. فأنا بنفسي عثمان بن طلحة سوف أوقف كل أشغالي وتجارتي وأموري وسوف أوصلك لزوجك ولمحمد في المدينة .. سوف أوصلك لأعدائي بنفسي ولا أن تقول العرب بأن عثمان ترك امرأة وطفلها تسافر وحيده في الصحراء !!

فأخذ عثمان بن طلحة بعير أم سلمة وأخذ يقوده في الطريق ..

تقول أم سلمة : ما مر علي في العرب كلها أكرم نفس وأكرم أخلاق من عثمان بن طلحة .. 

كان يقود بعير أم سلمة فإذا جاء وقت الراحه ينوخ بعيرها ويبتعد عنها مسافه لتأخذ راحتها .. وكان يمشي طول الطريق من مكة الى المدينة 400 كيلو وأكثر وهو ساكت وغاض للبصر .. 

رجل قتل المسلمين عشرة من أهله وعبدهم وفي النهاية يخدمهم بإحدى نساءهم ويوصلها معززه مكرمه إليهم ..

كان يعتبر عثمان رجل أعمال في قريش وتاجر وسادن للكعبه ورغم ذلك أوقف كل أشغاله ليوصل ام سلمة لأعدائه..

عندما وصل عثمان لمشارف يثرب قال لأم سلمة يا بنت ابي أمية زوجك في تلك القرية أما أنا فلا أستطيع التقدم أكثر فهم أعدائي وقتلة أهلي وكبدي حار عليهم ..

كان عثمان طوال الطريق تقوده التقاليد والعادات والأخلاق العربية .. تقول أم سلمة عندما استدار عثمان عائدا إلى مكة التفت اليه وكنت أشعر في داخلي أن الله سيشكره على عمله هذا يوما ما .. فهي مسلمة وتؤمن بعقيدة أن الله يجزي الإحسان بالإحسان ..

دارت الأيام وأسلم عثمان بن طلحة .. وجاء فتح مكة .. فطلب عم الرسول العباس بن عبد المطلب مفتاح مكة ليجمع بين السقاية التي كانت لأبناء عبد المطلب وبين السدانه ليزيد الله أبناء عبد المطلب شرفا على شرف .. فأخذ الرسول مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة وأعطاه لعمه العباس .. فنزلت فورا آية من الله : " إن الله يأمركم أن تأدوا الأمانات الى أهلها " .. المفتاح الذي أخذتوه من عثمان يأمركم الله بأن تردوه إليه .. 

عثمان رجل أمين .. عثمان أمن أم سلمة على نفسها وولدها ولم يروعها بل أصولها للمدينة وهو في عز شركه وقمة كفره .. لكن كانت أمانه عنده وسلمها لأهلها .. 

فنادى الرسول عثمان أمام أهل مكة أجمعين وقال له أتذكر ذاك اليوم يا عثمان ؟ يوم كنت مشرك وقلت لك بأني سآخذ المفتاح من يدك وأضعه بيد من أشاء؟ 

قال عثمان بلا أذكر وأشهد أنك رسول الله 

فمد الرسول مفاتيح الكعبة الى عثمان وقال له خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ..

وقال الرسول كلمة لعثمان أمام أهل مكة :" إن الله استأمنكم على بيته"

فعائلة شيبة الموجوده في مكة الآن هم أحفاد عثمان بن طلحة الذي استأمنهم الله على بيته بسبب أمانة جدهم عثمان بن طلحة رضي الله عنه ولا زالو لليوم يحتفظون بمفتاح الكعبه 


الذي نستفيده من قصة عثمان بن طلحة أن اختلافك بالعقيدة مع أحدهم لا يجب أن ينسيك أخلاقك العربية 


مات عثمان بن طلحة رضي الله عنه صاحب الأخلاق العربية الأصيلة في الجاهلية والإسلام في عهد معاوية بن أبي سفيان وأحفاده لليوم يمتلكون مفتاح بيت الله الحرام



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الغبــاء البشــري «[2]» بقلم علوي القاضي

«[2]» الغبــاء البشــري «[2]» دراسة وتحليل : د/علوي القاضي . ... وصلا بما سبق فإن للغباء صور وأنواع وكلها تتفق في الأسباب والمسببات .★. فمن ...