الاثنين، 5 ديسمبر 2022

لماذا اخترت الوحدة بقلم فريدة بن عون

 - لماذا اخترت الوحدة ؟


ساعاتي الأكثر وحدة هي التي أظهر فيها قوتي النفسية. و هي الاختبار القاسي الذي أتعرض له  مبتعدة عن أصدقائي و خلاني ، و مبتعدة عن عادات كثيرة اعتدتها في وجودهم معي ..فوحدتي تتحول بحياتي إلى حياة أخرى بعادات جديدة و بأوقات فارغة أكثر ، و بتفكير في ملء هذه الأوقات و استئصال هذه العادات .

 و هنا تكمن القوة النفسية ، في أن أتحمل عاداتي الجديدة و حياة جديدة غاضًّة طرف نفسي عن سابقتها. و معروف أن أشد ما يكون على النفس أن تضعها فيما لم تعتده ، و القوي ذو الإرادة من يستطيع أن يتكيف مع هذا الطقس الشديد .

  و الوحدة تنأى بنا عن تبادل المشاعر مع غيرنا و التمازج الرائع بين النفوس ..فهي تضعنا في ركن سحيق من الدنيا حيث نحن فقط من نُوجد فيه . من هنا تتحول أنت كمصدر مُستَقبِل للشعور و الأحاسيس إلى مصدر مُوَجِّه لها ، فليس هناك إنسان يمدُّك بالشعور و الانسجام الذي اعتدته و بقي إلا أن يكون هذا الإنسان هو أنت .. فتجعل من نفسك كل شيء و تحاول أن تسترجع ما فقدته من غياب الآخرين عنك . و في هذا اختبار قاسٍ و مرير  فهو يضاهي أن تواجه طقسًا درجته تحت الصفر عاريًا أو تجلس في وسط النار . فالأمر لا يقل ضراوة أو شدة .

الوحدة تضعني في فراغ عمن حولي ، فالوقت القليل الذي كان يتبقى لي بعد لقائي بأصدقائي سيكثر و يتمدد و يشمل وحدتي المريرة. و أكون كعربة اعتادت أن تتحمل كيلوجرامات و فجأة وُضِعَ فوقها أطنانًا . فأبدأ بالتكيف و أُعَدِّل من نشاطاتي و اهتماماتي و أسعى إلى شيء ما ، أبلور حياتي حوله و أجعله غايتي الكبرى، ليندمل جرح وحدتي و نأيي عن الناس .

 إذ في ساعات الوحدة أشباح و هواجس الماضي و بقايا حرائقي الداخلية و صندوق شهواتي المستتر الذي قد يَخَفى شهورًا و شهورًا و أنا معهم .. كل ذلك يعود و تلوح أمامي تلك الأشباح و الذكريات و هذا الصندوق يفتتح ليحرك في ما قد خَبَّأته كثيرًا ..و كأني في صراع مع كل شىء و أنا وحيدة ، مع نفسي و ذكرياتي و شهواتي و سطو العادة..

  لقد وضعتني الوحدة في حرب وجودية ، حرب تدور داخل ذاتي و "إنيتي" ، لا يُسْمَع فيها صليل السيوف و وقعها ، ولا رماح الوغى الصاخبة وعَدْو الخيول المغبَّر .. بل ملحمة عظيمة في غرفة هادئة ، و كل الناس يقولون ما لها صامتة ، ما لها هادئة ! و في الحقيقة أنا أعيش حربا لا تقل بأسًا عن الحرب الحقيقة .. 

{ أعلمت إذا لِمَ الوحدة تُظْهر قوة النفس و شدته و تخلق من الإنسان إنسانًا آخر ! بعض الناس لا يَقْدِر على أن يخلو بنفسه و لو لدقائق بل يخاف أن يخلو بنفسه . فهو لا يعلم ما قد يحدث و لا يتوقع نتيجة مباراته مع نفسه ، و لا يأمنها أن تفاجئه بتقريع و سخط و نقد لاذع على ما قد جنى من غلط ..

و أن تتواجد مع الناس دائما ليس شرطًا للقوة النفسية بل هو يحمل في طياته خوف من الوحدة ..خوف من اللقاء المرتقب مع نفسك ، أن تكون أنت على مقربة منها ، و تراها كما لم ترها من قبل .

أتحب أن تكون قويَّا ؟ فلا تتواجد معهم مجددًا إلا بعدما تتواجد مع نفسك - فقط - بقدر كافٍ تعرفها فيه .و ليس الاختباء دائمًا بدليل على الضعف ، فمن يختبء في نفسه قد يخرج أقوى ممن يصول ويجول بين الناس ، و من يتواجد في الواقع فربما يكون مختبئًا من وحدته و من نفسه ، من هنا يتجلى الهرب الحقيقي ، ينكشف الضعيف من القوي . }


بقلم  فريدة بن عون


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أول ليلة بقلم حسن الشوان

 ........... أول ليله ........ أول ليلة قيام فى رمضان  وربما تكون اخر ليله نصلى بنقاء وسلام وأمان  والنفوس لله ذليله وجبر الخاطر والإحسان مب...