السبت، 19 أبريل 2025

ببغاء الملك بقلم علوي بن محمود

ببغاء الملك 
قصة قصيرة 
علوي بن محمود

كان في زمن ليس عنا ببعيد أمير شاب كان ابيه الملك قد تقدمت به العمر وعزم على التنازل لأبنه ليكون خليفته 

ولما علمت الحاشية والرعية برغبة الملك العجوز اخذت بالتزلف والتقرب من الامير الشاب طمعا بمنصب او ولايه او وزارة تدر الخير وحليب السعادة لمن يفوز برضى الملك القادم 

كانوا كلهم اقرباء واصهار وبني عم وابناء كبار وزراء ابيه 

فأثقل الهم قلب الملك القادم ايهم يختار وكيف يختار وقد اوصاه ابيه بخلاصة حكمة عهده يابني لاتختر لوظائفك وولاتك الا اهل الجد والاتقان والثقه ولاتوليهم الا بعد ان تمتحنهم 

وهاان الملك قرب التتويج يتمشى في حدائق القصر وقادته قدماه الى الاسطبلات الملكيه 

فاذا هو بسائس الخيل يداعب عرف فرس غراء ويحدثتها وهي مستكينة براسها بين يديه وتحمحم وتهز برأسها كأنما تجيب عليه 

استغرب الامير واقترب من السائس سائلا وهل تفقه الخيل ماتحدثها به 

التفت السائس فاذا بالامير امامه فحياه كما تقتضي تقاليد القصر 

ثم اجابه نعم يامولاي الخيل تفقه مانقول قد قال هذا الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام 

اقترب الامير من الفرس واخذ يطعهما من جزر كان هناك 

ثم خطرت ببال الامير فكرة فسئل السائس ياترى هل تستطيع فرسنا هذه ان تكون في عوني في اختيار كبار موظفي الدولة

ففهم السائس مايمر به الأمير فرد قائلا 

يامولاي ان تستشر الفرس تفتيك ولكنها عن اقناع الناس لاتغنيك ففي الناس لجاجه وغرور وانما الفرس للحرب كسابه لكن ألسن الناس بالكذب معواجه وان شئت يامولاي جئتك بما يكفيك الحاجه ويوفيك القصد ويعفيك من الحرج وعتاب القريب الحبيب 

فقال الامير وكيف أأتمنك على امري 

فقال السائس يامولاي انما انا سائس للخيل تربيت بين اسطبلاتها والفت الحيوانات والمزراع وتنقلت في الخدمة بين البيوت والدور والقصور ولاعلم لي الابهذه العجموات افهمها وتفهمني فأن وفقني الله الى قضاء قصدك اقمتني وان لم اوفق صرفتني ولن اعدم اصطبلا يضمني وخيلا تحدثني 

فكر الامير وقال كلام حسن فأتني بما قلت 

فقال السائس يامولاي امهلني ثلاثة اشهر فطلبك ليس يسير والوقت به كفيل 

فقال نعم لك ذلك

ومضت الايام والملك العجوز ينتظر ميعاد ابنه لتوليه العهد 

ومضت الثلاثة اشهر كمر البصر واتى السائس على الوعد ومثل بين يدي الامير خالي الوفاض فانزعج الامير وقال للسائس وهو في بلاط القصر بين الحاشية اين ماوعدتني به 

لم يخفى انزعاج الامير عن السائس لكنه اجاب بتأدب جم يامولاي ان فرسك المصون الغراء قد عافت الطعام لعلها استوحشتك فزرها علها تجد بعض السرور وتنقذها من المهالك 

ففهم الامير الأمر واعجب بتلميح السائس 

فقال له اذن فلتطعهما جزرا كالعادة وازورها اذا مافرغت وصرف السائس من بلاطه 

وفي العصر زار الامير اسطبلات القصر واستقبله السائس كما يليق وقاده الى احد مهاجع الخيل وهناك على مجثم خشبي وقف طائر ببغاء درة خضراء حمراء المنقار صفراء العينين وردية القدمين معنقة بخط اسود يمتد من رقبتها الى منقارها الاسفل 

استغرب الامير وقال ماذا افعل بطير ببغاء وكيف يعينني على ماطلبت 

فقال السائس انظر يامولاي ان هذا الطير تربى على الحرية ولم يوضع في قفص قط وانما يجلس على مجثمه لألفته بي وان شاء طار وفارقني الى اقرانه في الغابات وقد روضته ولقتنه بالحكمه كلمتين فبحكمته الاعانه والامانه والصيانه لما ترومه منه 

فخذه وألفه عليك ثلاثة ايام فأن انس بك فضعه قرب مجلسك واسئله رأيه فيمن تقدم اليك بطلب الوظيفة والوزارة يفتك في امرك وينقذك من الحرج 

وشرح له السائس كيف ستتم المهمه فأخذه الملك ومضى 

وبعد ثلاثة ايام استوى الامير في مجلسه والطير الى جانبه واستدعى الحاشية الى بلاطه 

اخذ رجال الحاشية يمتدحون طير الامير وجماله وصفاته بما لايخطر على البال من مدائح 

لكن الامير فاجائهم اذ قال لهم ان طيري هذا كان في كنف قاضي أمين وتعلم من مجالسته فصل الخطاب في المجرمين والطيبين 

واستدعاء كبير الشرطة فقال له أأتني من عند قاضي العاصمه بثلاثة مجرمين مدانين وبثلاثة تم تبرئتهم ثم ادخلهم علينا ولاتنبئنا بشأنهم 

ففعل صاحب الشرطة ذلك وادخل الرجل الأول 

فأذا بالببغاء يصيح سارق.. سارق ..سارق

ونظرالامير والحاشية الى صاحب الشرطة فقال نعم صدق الببغان هو كذلك 

وادخل الرجل الثاني فصاح الببغاء بريئ..بريئ..بريئ فقال صاحب الشرطه صدق الببغان هو كذلك يامولاي 

وهكذا تعرف الببغان على كل لص وسارق وبرئ كل ممن وجبت له البرائه 

وهنا اخذت رجالات الحاشية تكيل المديح والثناء على حكمة الببغان ممعنة في التطبيل والتهليل والتمجيد 

وهنا قال الأمير اكتب ياحاجب القصر انه برضئ الامير وثناء رجال البلاط قررنا ان يكون هذا الببغان هو مستشارنا في اختيار مسؤلي وكبار وزراء ورجال الدولة فكل من يرى نفسه اهلا للوظيفه فليتقدم للببغان فأن قال ببرائته عيناه واعطيناه منصبا ومن قال بجرمه وذنبه سجناه او فليبث حجته للببغان فأن لم يقتنع الطير اقمنا عليه الحد المعلوم 

فأسقط في يد رجال البلاط من الطامعين للمسؤلية فما من يد خليه من الذم ولم تغل من سابق قريب او بعيد من مال الدولة 

ولم يكن لأشجعهم جرئة ان يتقدم ليضع نفسه تحت حكم طير ناطق 

ولم يكن لأحد منهم مهما بلغ مقاله واحتياله وتطبيله وتنفيله من حجة بالغه يدافع بها عن نفسه امام تهمة الببغان التي بانت حكمته للخصوص والعوام 

لهذا تحرج الجمع ولم يتقدم احد 

فغضب الامير وقال يارجال القصر انتم اقرب المقربين للدولة فأن لم يتقدم منكم احد فاني اوشك ان اسيئ الظن بكم وان تقاعسكم عن التقدم للمهام العظيمه لهو ذنب وجرم بحد ذاته يستحق العقاب 

وهنا تعاظم حرج البلاط وازداد الوجوم وانعقدت الألسن عن الاجابه واكتفى الكل بما اصابه .

تمت 

علوي بن محمود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

تترنح المشاعر بقلم حنان الدومي

هايكو حنان الدومي تترنح المشاعر على حافة الإبداع مخاض كلمة هوس الكتابة إبداع سرمدي ذاك الذي يأتي من رحم المعاناة صراع قاتل محيي عمر الكلمات ...