الخميس، 28 أغسطس 2025

تطاوين بقلم محمد المحسن

 لوحة سريالية


الأهالي محاصرون بين ثلاثة جدران: حرارة لا ترحم،وبنية تحتية متهاوية تزيد العزلة،وحنين إلى طبيعة أصبحت بعيدة المنال..!


(في عزلة القيظ: حين يصبح الحر سجّانًا..!)


الحرّ ليس مجرد درجة حرارة ترتفع على مقياس ترمومتر،إنه كيان طاغٍ يغزو الفراغ،يملأ الزوايا، ويعلن سيطرته على كل شيء.إنه ثقل لا يُحتمل يرهق الأجساد،ويُكسب الأنفاس وهنًا،ويجعل من أبسط الحركات جهدًا مضاعفًا.وفي هذه الأجواء، حيث تتحول الحياة إلى معركة يومية للبحث عن نسمة هواء أو لحظة برودة،تتفاقم مأساة أبناء جهة تطاوين ،بغياب ما يُخفف وطأتها.

تتآكل ساعات النهار ببطء قاسٍ.إنها دائرة مفرغة من الملل والاختناق.فغياب فضاءات الترفيه، سواء كانت حدائق عامة ظليلة،أو مراكز ترفيهية مكيفة،أو حتى مقاهٍ واسعة،يحبس الناس بهذه الربوع الشامخة والصامدة  تطاوين بين جدران بيوتهم التي تتحول بدورها إلى أفران خانقة مع انقطاع التيار الكهربائي.هذا الانقطاع ليس مجرد انقطاع للكهرباء،إنه انقطاع للحياة نفسها.

فمع صمت المروحة وتوقف المكيف،يتلاشى آخر أمل في مواجهة القيظ.يتحول الظل إلى سلعة نادرة،والهدوء إلى رفاهية لا تُدرك.يصبح الهمّ الوحيد هو إنقاذ ما في الثلاجة من طعام قبل أن يفسد،أو البحث عن شاحن للهاتف ليبقى اتصالًا متواضعًا بالعالم الخارجي.الأصوات تعلو، والأعصاب تتوتر،وتبدو البيئة بأكملها وكأنها على شفا الانهيار تحت ضغط الحرارة والانزعاج.

وفي خضم هذا الكابوس،يبرز حنين غامض،حنين إلى البعيد: البحر.ذلك الفضاء الشاسع الذي كان بإمكانه أن يكون المنفذ والملاذ.إنه ليس مجرد ماء مالح،بل هو فكرة عن التحرر.فكرة عن الانهيار في أحضان موجة باردة،عن نفس طويل بعيدًا عن زحام الأسمنت،عن أقدام حافية على رمل ذهبي تحت سماء زرقاء صافية.

البحر الذي يبدو بعيدًا،ليس فقط بالمسافة،ولكن بالإمكانية.فمع انشغال الناس بهموم الكهرباء وغلاء المعيشة وصراع البقاء،تصبح رحلة إلى البحر حلمًا غير عملي،رفاهية من عالم آخر. فيتحول إلى صورة ذهنية نسترجعها للتهدئة،مثل ذكرى جميلة من الماضي أو أمنية عسيرة التحقيق في الحاضر.

هكذا نحن،محاصرون بين ثلاثة جدران: حرارة لا ترحم،وبنية تحتية متهاوية تزيد العزلة،وحنين إلى طبيعة أصبحت أحيانا بعيدة المنال.هذه الوصفة المثلى للإرهاق النفسي والجسدي.إنها اختبار للصبر والقدرة على التحمل،حيث تذوب الفوارق بين الغني والفقير تحت شمس واحدة قاسية، ويبقى الأمل الوحيد هو انتظار غروب الشمس، أو بزوغ قمر ليلي يحمل معه نسيمًا خفيفًا يكون أعظم هديةٍ منحها الله لسكان هذه الأرض في عزلة القيظ.


متابعة محمد المحسن


تطاوين : موطن الكاتب


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

قطرات الندى بقلم راتب كوبايا

قطرات الندى  قطرات الندى كما لو أنها؛ سرود على برود الخير موجود  والثلج ممدود على الأرض موعود  تذوب وعود  وتتلاشى عهود  لكنه؛ قنديل العمود ع...