الخميس، 28 أغسطس 2025

قصة قصيرة: سيدة المستنقع بقلم: عبد الكريم علمي

قصة قصيرة: سيدة المستنقع.

قَدِمَت ضفدعة شريدة طريدة إلى مستنقع مائي ضحل، يعج بالضفادع والفطريات المائية والأسماك والسلطعونات، وطلبت من أهلها اللجوء والأمان، بعد أن جف المستنقع الذي كانت تعيش فيه، فأكرمها ساكنتها ورحبوا بها وآووها، ولم تلبث إلا فترة يسيرة على إقامتها بينهم حتى صارت تتدخل في الصغيرة والكبيرة..

 وبمرور الأيام والزمان توهمت نفسها شيئا ذا بال وقيمة، ثم شيئا فشيئا فرضت هيمنتها على المستنقع، ونَصَّبَت نفسها بمقام السَّيِّدة الزعيمة..، فهي الآمرة الناهية، والحاكمة على الكل، ولا رأي إلا رأيها ولا قرار إلا قرارها، واشترطت على الجميع أن يكون صوتها في النقيق، أعلى وأشد من كل من ينق معها، وتعتقد أن نقيقها أحسن وأفضل وأعذب من أيِّ نقيق آخر، فقد استقر في فهمها السقيم ويقينها العليل أنها أعلم وأفقه من غيرها، وأن الصواب والصحيح ما تراه هي صائبا وصحيحا، وأن غيرها أقل منها ودونها في كل شيء، متوهمة الفهم والحذق والكياسة والنباهة، وترى أنها وُهبت علما ومعرفة وموهبة بنقيق عذب جميل يُمتع السامعين ويسبي الألباب.. 

 ثم استدعت جميع ضفادع المستنقعات المجاورة القريبة والبعيدة للسكن والعيش معها، ووجهت دعوة للكلاب الضالة في تلك الناحية، بالقدوم إلى مستنقعها للعيش بجواره وعلى أطرافه، فتحول المستنقع من مكان هادئ مياهه جميلة عذبة صافية، إلى مستنقع مياهه عفنة آسنة راكدة، وبؤرة موبوءة للحيوانات الضالة، ولكل مشرد لا مأوى له ولا وطن.

وظلَّت على وهمها وغبائها مدة مديدة من الزمن، إلى أن حل بمستنقعها أفعوان رحالة جوَّال، سريع الغضب والانفعال، يحب الهدوء والسكينة والانعزال، ويستاء من الفوضى والضجيج في كل الأمور والأحوال، كان الأفعوان يتنقل من بحيرة إلى أخرى بسلام وأمان، إلى أن حل ذات يوم بهذا المكان وفيه استقر به المقام، يتنعم بدفء مائه وعذوبة هوائه، إلا أن ما كدَّر خاطره وأزعج باله، وُجُودُ ضفدعة نقَّاقَة تنقُّ دائما وفي كل الأوقات، رفقة الجيش العرمرم من الضفادع الأخرى، فَنَغَّصَت عليه راحته وهدوءه، وأصابه الضجر والكدر، وتحولت حياته إلى تعب ونكد، ولما نهاها لم تسمع ولم تُجب، وتملَّكَتها الأنفة السقيمة والعزة بالإثم المقيتة، وأجابته بكل وقاحة: إن هذا المستنقع هو مستنقعي، وأنا أديره بالكيفية التي تحلو لي وأراها صائبة، وليس لأحد أن يعترض عليَّ فيما أتخذه من قرارات، أو يناقشني فيما أنا عازمة عليه من إجراءات وخطوات..

 كان الأفعوان لا يصطاد شيئا من هذه البحيرة، التي حولتها هذه الضفدعة إلى مستنقع للنقيق، ومكان استحمام للكلاب الضالة واستجمامهم، وإنما يسعى لرزقه في أماكن أخرى حفاظا على حسن الجوار مع الذين يعيش معهم وبقربهم، فالعاقل اللبيب والحاذق الرشيد، لا يُفسد على نفسه مكان راحته الجسدية والنفسية، فاستاء منها ومن تصرفاتها الرعناء الحمقاء، فهي مُعاندة وتُصرُّ على الغلط، وكل تصرفاتها وآرائها تخبط وخلط، وإذا تكلمت نطقت بالسوء والغلط، وقالت الباطل والشطط، وهو أيضا لم يسلم من شر غبائها وحمقها، إذ صارت تتدخل في خصوصياته بما لا يخصها ولا يعنيها..

صبر عليها الأفعوان فترة من الزمن، وأراد تحاشيها وتفاديها قدر ما أمكن، مراعاة لها وخشية من إهانتها، وسلك معها طرق اللباقة والليونة والأدب، ولكنها عدَّت ذلك منه خوفا ونفاقا وتملقا وتزلفا، وتمادت في غيها بكل رعونة وعنجهية، حاول إفهامها بكل الطرائق الودية والوسائل السلمية، أنه وإياها من طبيعتين مختلفتين، وأنه لا يستطيع أن ينق مثلها ولا مثل الضفادع التي على شاكلتها، وأنه يحترم مقامها ككبيرة للنقاقين في مستنقعها، ولكنها عاندت وكابرت وركبت رأسها، وأصرت على مواقفها، وأعماها كِبرُها، وركبها الغرور من أعلى رأسها إلى أسفل أرجلها، وزاد صلفها وحمقها وغباؤها بمرور الأيام، ولم تُراع الفروق الفردية والاختلافات الشخصية، وألحَّت عليه أن يصبح نقاقا، فمن يعيش في مستنقعها واجب عليه حتما وأكيدا أن ينق، وعليه أن يستمع إليها وينفذ طلباتها وتوجيهاتها، دون معارضة ولا إبداء أيّ رأي..

حوَّلت حياة الأفعوان إلى جحيم لا يُطاق، ولم تكف ولم ترتدع..، ولكن للصبر حدود، وللأمور حَـدٌّ ومدى ومُنتهى، فلما بلغ السيل الزُّبَى، وفاض الكأس بما امتلأ، قرر الأفعوان أن يضع حدًّا لهذه النَّقَّاقة الغبية التافهة، وإذ هي في نشوة صياحها واعتزازها بالإثم، تنق كالعادة بصوتها المزعج الذي ترتج له جنبات المستنقع، ويكاد الماء أن يفيض على جنباته من قوة صياحها وشدته، ويُخيَّلُ لسامعه أن الأرض تهتز على وقع زلزال مدمر، تسلل الأفعوان إليها وانساب بهدوء، وتوجه رأسا إليها ولدغها في أم رأسها، فانقلبت على ظهرها صريعة تتلوى، وتتخبط من شدة الألم..

 كان الأفعوان يستمتع بالنظر إليها وهي على هذه الحال، وبعد أن فارقت الحياة وهمدت حركتها، وأصبحت جثة هامدة قال في سره: إن بعضهم عندما تتواضع له تركبه الأنفة السقيمة، وتأخذه العزة بالإثم العقيمة، ويزداد عنجهية وصلفا، ويرى نفسه على شيء وهو أتفه من لا شيء، وهؤلاء لا تنفع معهم الليونة ولا حسن الأخلاق، لأنهم يعُدُّون ذلك خوفا وضعفا، وإنما يُردُّ عليهم بالإنكار والتعنيف، ويُقابلون بالشدة والحزم والعزم والحسم، ويُزجرون زجرا ويُقرعون قرعا..، إن الأفعوان لا يرضى بالذلة والهوان، ولا ينسى من أساء إليه ذات زمان، وإن لم يفعل فلماذا هو إذن أفعوان؟..

 ثم قرر أن يجعل من ضفادع هذا المستنقع غذاءً له وبدأ بزعيمتهن، ولكنه كاد أن يفقد روحه فهي موبوءة وسامة، فتقيأها بعد أن كاد يتقيأ معها روحه، ثم قال مخاطبا إياها: لعنة الله عليك، مُؤذية حية وميتة..، ما أحلى فراق الأغبياء، إن في فراق الأغبياء فرحة لا تُضاهى، وسعادة لا توصف..، الوداع ياغبية..

وبذلك انتهت أسطورة الضفدعة الحمقاء الرعناء الواهمة، وأصاب الرعب بقية النقاقين، وخشوا على أنفسهم من سطوة الأفعوان، ولزموا جميعا جحورهم في المستنقع، وكفوا عن النقيق في حضور الأفعوان ووجوده، وكان الأفعوان على علم بما يدور، وقال ذات يوم في سره: لن يهنئك العيش ولن ترتاح، والضفادع تنق عند رأسك في المساء وفي الصباح، فإذا سكنت في مستنقع الضفادع، فلا تُهادن ولا تُوادع..

لأجل إسكات نقيق الضفادع، لا بد لهم من أفعوان رادع، فلا خير في مستنقع تنق فيه الضفادع باستمرار، أناء الليل وأطراف النهار، وتحرمني راحتي في الهدوء والاستقرار، فحتى يعم الأمن والسلام، وينتشر على أحسن الوجوه والتمام، يجب القضاء على الأصوات النشاز، التي تُثير القرف والاشمئزاز..

                بقلم: عبد الكريم علمي
                الجمهورية الجزائرية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

حين يرسم القلب بوابة النور بقلم نور شاكر

حين يرسم القلب بوابة النور بقلم : نور شاكر  أحيانًا، لا يكون القيدُ حول قدميك من حديد، بل حول روحك  يثقلها وهمٌ يهمس في أذنك بأن الطريق مسدو...