الخميس، 5 فبراير 2026

نِيشَان بقلم فؤاد زاديكي

نِيشَان
نِيشَانيّة
بقلم: فؤاد زاديكي

تُستعمل كلمة «نِيشَان» في اللهجات العربية بمعانٍ متعدّدة، أصلها يدلّ على العلامة أو الإشارة أو الوسام، فنحن نقول في لهجتنا العربية الآزخية: ظَرَبْ فِالنِّيشانْ بمعنى صَوّبَ على الهدف. وصَابْ النِّيشانْ: أصاب الهدف. وحَطّْ نِيشانْ: نَصب أو وضع هدفًا. لكنّها في بعض البيئات الشعبية اكتسبت دلالة اجتماعية خاصّة، إذ يُقال عن الفتاة إذا خُطبت إن الشاب «حطّ عليها نيشانيّة»، كما نقول في لهجتنا الآزخيّة، أي وضع عليها علامة تفيد بأنّها أصبحت مُرتبطة به رسميًّا ولم تَعُدْ مُتاحةً لغيرِه من الشّباب او الرّجال. هذا الاستعمال، وإنْ بدا بسيطًا في ظاهره، فهو يعكس نظرةً رمزيةً تَعتبر المرأة موضوعًا للتّعليم أو الإشارة، وهو تعبير لغوي متوارث أكثر ممّا هو مقصود بحدّ ذاته.

ومن هذه الذّهنيّة نفسها نشأت عاداتٌ اجتماعيةٌ أقدمَ وأشدَّ قسوةً، بفعل الجهل وقلّة الوعي الإجتماعي او الثّقافي، من بينها ما كان يُمارَس في ليلة الزّواج، حيث تُوضَع قطعة قماش بيضاء فوق السّرير، تحت الفتاة انتظارًا لنزول الدّم عند فضّ غشاء البكارة، ويُسمّيه أهل آزخ (نِيشَان) بمعنى العلامة، ليُقدَّم ذلك بوصفه دليلًا على عُذريتها. وهي عادةٌ ذميمةٌ، لأنّها تبني حُكمًا أخلاقيًّا مَصيريًّا على علامةٍ جسديّةٍ غيرِ مُؤكّدة علميًّا، وتَنتهِكُ خُصوصيّة العلاقة الزّوجيّة، وتُحَمِّل المرأةَ وحدَها عِبءَ "الشّرف" والشّكّ والامتحان. وكأنّ الشّرفَ كلّه مُرتَبِطٌ بهذا الأمر، إنّ منتهى التّخلّف والجهل.
  اجتماعيًّا وثقافيًّا، ظهرت هذه الممارسةُ في مجتمعاتٍ أبويّةٍ ربطتْ شرفَ العائلةِ بجسدِ المرأة، وجعلتْ منَ الخوفِ من كلامِ النّاس سلطةً أعلى من العلم والرّحمة. فَبدلَ أن تكون ليلةُ الزّواج بدايةَ علاقةٍ إنسانيّةٍ قائمةٍ على الثّقة والاحترام، تحوّلت إلى طقسٍ رَقابيٍّ جَماعيٍّ، أشبه ما يكونُ بمحاكمةٍ صامتةٍ، تُنتظرُ نتائجها خارجَ غُرفةِ النّوم. وقد خلّفتْ هذه العادةُ، عبر أجيالٍ طويلةٍ، آثارًا نفسيّةً قاسيةً من خوفٍ وقلقٍ وإحساسٍ بالمَهانة، رغم أنّها لا تستندُ إلى حقيقة طبيّةٍ ثابتةٍ، إذ أنّ كثيرًا من النّساء لا ينزلُ لديهنّ دم عند أوّل علاقة زوجيّة، لأسباب طبيعيّةٍ معروفةٍ.

ومع تطوّر الوعي والتّعليم، بدأت هذه الممارساتُ تتراجعُ في كثيرٍ من المجتمعات، خاصّةً في المُدن وبين الأجيال الجديدة الواعية والمتعلُمة، حيث صار يُنظَر إليها بوصفها انتهاكًا للكرامة لا حفاظًا على الأخلاق. وفي مجتمعاتٍ أخرى حول العالم، كانت عادات مشابهة موجودة تاريخيًّا ثم اندثرت مع انتشار المعرفة الطبّيّة وتمكين المرأة. وكلّما ارتفع مستوى الوعي، تبيّن أنّ الشّرف لا يُقاسُ بقطعة قماش، ولا يُثبَتُ بِدَمٍ، بل يُبنى على الصّدق والمسؤولية والاحترام المتبادل. إذ انّ هناك طُرقًا ووسائلَ يُمكنُ من خلالِها التّحايلُ على هذه الفكرة والعادةِ الشّائعةِ.

إنّ التخلّي عن مثل هذه العادات لا يَعني التّخلّي عن القِيم، بل هو تخلٍٍّ عن الظّلم والجهل، وخطوة نحو فهمٍ أكثر إنسانية للعلاقة بين الرّجل والمرأة. فالشّرفُ الحقيقيّ لا يكون في العلامات والنّيشانات (النّيَاشين)، بل في صَون كرامة الإنسان، امرأةً كان أم رجلًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

ما العَيشُ إلا الحُبْ بقلم اديب قاسم

........ *ما العَيشُ إلا الحُبْ*                              Love is life"*"                        شعر               *اديب قاسم*...