الاثنين، 23 مارس 2026

الصَّابِئَةُ المَنْدائيُّون فِي فِكْرٍ وَطُقُوسٍ وَمَعْرِفَةٍ بقلم فُؤَاد زَادِيكِي

الصَّابِئَةُ المَنْدائيُّون فِي فِكْرٍ وَطُقُوسٍ وَمَعْرِفَةٍ
فُؤَاد زَادِيكِي

الصَّابِئَةُ المَنْدائيُّون هُمْ جَمَاعَةٌ دِينِيَّةٌ تَوْحِيدِيَّةٌ قَدِيمَةٌ تَنْبُتُ أُصُولُهَا فِي أرَضِ بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ وَتُعْتَبَرُ مِنْ أَقْدَمِ التَّقَلِيدَاتِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تَعْتَنِقُ الإِيْمَانَ بِإلَـٰهٍ وَاحِدٍ. يَرَى المَنْدَائِيُّونَ أَنَّ الزَّوَارَةَ بِالمَاءِ الجَارِي هِي أَسَاسُ العِبَادَةِ وَطَرِيقُ التَّطَهُّرِ النَّفْسِيِّ وَالرُّوحِيِّ، فَالمَاءُ لَدَيْهِمْ لَيْسَ عُنْصُرًا مَادِّيًّا فَقَطْ، بَلْ هُوَ سِرٌّ مُقَدَّسٌ وَوَسِيلَةٌ لِلتَّرَابُطِ بَيْنَ عَالَمِ الأرْضِ وَالعَالَمِ الأَعْلَى. يَرْفَعُونَ نَبْرَةَ التَّوَحِّيدِ فِي عَقِيدَتِهِمْ وَيُقِرُّونَ أَنَّ يُوحَنَّا المَعْمدَان هُوَ أَعْظَمُ أَنْبِيَائِهِمْ، وَرَمْزٌ لِلطَّهَارَةِ وَالغُفْرَانِ وَالمَعْرِفَةِ. هَذِهِ الجَمَاعَةُ تَرْفُضُ التَّبْشِيرَ وَلا تَقْبَلُ الدُّخُولَ فِي دِينِهَا لِغَيْرِ أَبْنَائِهَا، فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ النَّفْسَ، الَّتِي لا تُحَصَّنُ بِالمَعْرِفَةِ وَالتَّطَهُّرِ لَا تَسْتَحِقُّ الإِنْتِسَابَ لِلْمُجْتَمَعِ.

لَهُمْ كُتُبٌ وَمَصَادِرُ دِينِيَّةٌ مَكْتُوبَةٌ بِلُغَةٍ مَنْدَائِيَّةٍ آرَامِيَّةٍ قَدِيمَةٍ تُدَرَّسُ فِي مَعَابِدِهِم وَيُسَمَّى أَشْهَرُهَا مُصْحَفُ «كِنزَا رِبَّا»، وَهُوَ يَحْتَوِي عَلَى قِصَصِ الخَلْقِ وَالتَّنْشِئَةِ وَالتَّعَالِيمِ الرُّوحِيَّةِ وَقَوَاعِدِ الحَيَاةِ، وَلَدَيْهِمْ مَصَانِعُ نَصْرَاتٍ وَكِتَابَاتٌ أُخْرَى تُفَصِّلُ شُعَائِرَ العِبَادَةِ وَالأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ. تُرَكِّزُ عَقِيدَتُهُمْ عَلَى تَطْهِيرِ الرُّوحِ، وَكَثْرَةِ الصَّلَوَاتِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالعَمَلِ عَلَى تَقْوِيَةِ النُّفُوسِ لِمُوَاجَهَةِ قُوَى الظُّلْمَةِ وَالشرِّ.

وَمِنْ أَهَمِّ مَظَاهِرِ طُقُوسِهِمِ الدِّينِيَّةِ مَا يُسَمَّى مَصْبُوتَا، أَيْ طَقْسُ الـتَّعْمِيدِ فِي الْمِيَاهِ الجَارِيَةِ الَّتِي يَعْتَبِرُونَهَا “يَرْدَنَا”، وَهُوَ رَمْزٌ لِلطَّهَارَةِ وَالوُصُولِ إِلَى قُرْبِ عَالَمِ الـنُّورِ، وَيُؤَدَّى كُلَّ أَحَدٍ وَفِي أَيَّامِ الأَعْيَادِ بِنَفْسِ الشَّكْلِ – غَمْرٌ كَامِلٌ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يُدَهَّنُ المُؤْمِنُ بِزَيْتِ الْحَبَّةِ السَّمْسِيَّةِ وَيَشْتَرِكُ فِي خُبْزٍ وَمَاءِ مُقَدَّسَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ. هَذِهِ الطُّقُوسُ لَا تُؤَدَّى مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ، بَل تَكْرَارِيَّةٌ كَرَمْزٍ لِلطَّهَارَةِ المُسْتَمِرَّةِ وَالعَلَاقَةِ الدَّائِمَةِ بَيْنَ النَّفْسِ وَالإِلٰهِ. كَمَا يُؤَدُّونَ طُقُوسَ الرِّيشَامَا وَالتَّمَاشَا لِلتَّطَهُّرِ اليَوْمِيِّ، وَالمَاسِيقْتَا لِمُرَافَقَةِ نُفُوسِ الأَمْوَاتِ فِي رِحْلَتِهَا نَحْوَ عَالَمِ النُّورِ، وَيُقَامُ أَيْضًا طَقْسُ الزَّوَاجِ وَكَوَاكِبُ أُخْرَى فِي مَوَاسِمَ دِينِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ. يَحْفَلُ أَيضًا تَقْوِيمُهُمْ بِأَعْيَادٍ خَاصَّةٍ كَـ عِيدِ الخَلِيقَةِ («البِرُونَايا») وَعِيدِ رَأْسِ سَنَةِ يُوْحَنَّا المَعْمدَانِ، وَهِيَ أَيَّامٌ تُمَيَّزُ بِالصَّلَوَاتِ وَتَمَامِ طُرُقِ الطَّهَارَةِ وَالتَّأَمُّلِ فِي عِظَمَةِ الخَلْقِ.

في الْمَجْمُوعِ كُلُّهمْ يَعِيشُونَ فِي مُجْتَمَعَاتٍ تَرْكِيزِيَّةٍ فِي جَنُوبِ العِرَاقِ وَجَنُوبِ غَرْبِ إِيرَانَ، وَبَعْدَ مَا مَرُّوا بِتَحَوُّلاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَهِجَرَاتٍ كَثِيرَةٍ، انْتَشَرُوا أَيْضًا فِي أُورُبَّا وَأَمْرِيكَا وَأُسْتُرَالِيَا وَكَنَدَا، وَيُقَدَّرُ عَدَدُ أَبْنَائِهِمْ الْعَالَمِيُّ بِعَشَرَاتِ الآلافِ قَلِيلِينَ، بَعْدَمَا كَانَ يَفُوقُ ذَلِكَ عَدَدًا فِي القُرُونِ السَّابِقَةِ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

عن طعم الفقد لا تسأل بقلم سامي حسن عامر

عن طعم الفقد لا تسأل بات ينتاب الحنايا صباح مساء يطرق أبواب الليل يطرد ألف شعور من فرح يلملم عناقيد النجمات يطرز القصيدة بتلال من آهات كنت ل...