بعد أن تأكد رئيس الدورية من أنني لست سوى امرئ بريئ شكلاََ ومضموناََ، سمح لي بالانصراف بعد أن رمى إلي هويتي التي لم أتمكن من التقاطها منه فوقعت الأرض، وانحنيت لالتقاطها بعد أن نظرت إليه نظرة استنكار ورفض لفعلته تلك
لكن رئيس الدورية لم يأبه لنظرتي، وذهب يتابع بعينيه المكان رصداََ لأشخاص قد يختفون تحت جنح الظلام، ربما هجموا عليه وعلى دوريته بحكم أنه يأتمر بأمر دولة لا تحفظ لمواطنيها كرامة و"تمسح بهم الأرض" كما يقول المثل العامي
بعد أن وصلت بيت أختي، وفيما كنت أحدث أهلي عن ذلك الموقف الذي جرى معي قبل قليل، التفت أخي إلي وقال: حمداََ لله على سلامتك، والوضع هذه الأيام جد خطير، وعساي أجمعك في غد بعون الله تعالى مع قائد من قادة الطليعة المقاتلة يشرح لك بشكل مستفيض طبيعة الموقف في حلب هذه الأيام [١٩٨١]
قلت لأخي، كم أنا مشتاق لمقابلة هكذا شخص أستعيد من خلاله بعضاََ من كرامتي المهدورة على عتبات جيش ضاعت فيه ملامح الإيمان، ولم يعد الواحد منا يشعر بحق أنه صاحب رسالة خير وسلام
وفيما أعدت لي أختي مكان منامتي، صحيح أنني استلقيت على الفراش غير أنني لم أذق طعم النوم وأنا أستعرض المتاعب التي مرت بي طيلة هذا اليوم، وأستعرض مع نفسي كيف سأقابل في غد أحد قادة الطليعة المقاتلة ومدى فرحتي بذلك إذ أستمع إلى كلام منه يسر الخاطر حول القوة الضاربة للطليعة وهم يسعون لتحريرنا من دولة ديدن حكمها البطش بمواطنيها وتمريغ كرامتهم بالأرض
- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا
إشراقة شمس 144
*****
نوم بلا نوم
حلب /1981/
القتال على أشده بين رجال الطليعة المقاتلة باعتبارهم شباب متحمس مدافع عن دينه، و بين الأفرع الأمنية تدعمها الفرقة الثالثة مدرعات، وتدعمها كتائب تابعة للوحدات الخاصة السورية
بخلاف "سرايا الدفاع" التي مهمتها حصريا الدفاع عن الكيان الحاكم في سورية من عدو داخلي فحسب، فإن "الوحدات الخاصة" التي عملت المؤسسة العسكرية السورية على تشكيلها من شباب محافظات حلب وحماه وحمص وإدلب ودير الزور كي تضرب بهما أهالي تلك المحافظات إذا ما انتفضت!
لم تغمض لي عين في تلك الليلة فالإرهاق النفسي من جهة، والوعد الذي وعدني إياه أخي بمقابلة قائد من قادة الطليعة المقاتلة من جهة ثانية، واختلاف المخدة التي أضع رأسي عليها من جهة ثالثة، كل ذلك ساهم في بعث الأرق من ليلتي تلك ولم أنم
ولعل السبب الرئيس في هروب النوم من عيني تلكم الليلة، هو تلك الاشتباكات العنيفة القريبة التي يخشى خلالها أحدنا اختراق طلقة طائشة غرفة نومه
وفيما كنت أتقلب على فراشي دونما نوم، قلت في نفسي: النوم في مهجعي في الفوج كان أفضل لي من هذه الإجازة وهذا الخطر المحدق بي من كل مكان، لكنني دفعت هذا الخاطر بالقول: لا سبيل للوصول إلى عيش كريم آمن في هذا الوطن إلا من خلال تلك العمليات القتالية التي يقوم بها شباب الطليعة
انتبذت من فراشي صباحا، ولم أجد أخي الذي وعدني بمقابلة مخصوصة مع قائد من قادة الطليعة المقاتلة، ولما سألت الأهل عنه؟ قالوا لم ننتبه إليه كيف ومتى خرج من المنزل، وسألتهم: فما بال هذه الاشتباكات طوال الليل؟ قالوا: لا جديد، قد اعتدنا عليها، وإن النوم لا يتسلل الى جفوننا إلا بسماع أصوات تلك الاشتباكات، إنها معزوفة يومية لدينا
سرحت بفكري قليلا، متسائلا برهبة: أين يمكن لأخي بدر أن يكون قد ذهب؟! وانتابني الخوف
- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق