بِقَلَم: فُؤَاد زَادِيكِي
تُعَدُّ حَادِثَةُ مَذْبَحَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ إِحْدَى أَكْثَرِ الوَقَائِعِ إِثَارَةً لِلْجَدَلِ فِي التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ المُبَكِّرِ، إِذْ وَقَعَتْ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ سَنَةَ ٥ هـ/٦٢٧م. وَوَفْقَ الرِّوَايَاتِ التَّقْلِيدِيَّةِ، كَمَا جَاءَ فِي المَصَادِرِ الإسْلَامِيًّةِ، فَقَدْ نَقَضَتْ قَبِيلَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ عَهْدَهَا مَعَ المُسْلِمِينَ أَثْنَاءَ حِصَارِ المَدِينَةِ، مَا اعْتُبِرَ تَهْدِيدًا لِلْأَمْنِ الدَّاخِلِيِّ، وَبَعْدَ اسْتِسْلَامِهِمْ صَدَرَتِ العُقُوبَةُ، الَّتِي نَصَّتْ عَلَى قَتْلِ جَمِيعِ الرِّجَالِ المُقَاتِلِينَ وَسَبْيِ النِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ وَتَوْزِيعِ أَمْوَالِ القَبِيلَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَقَدْ ذُكِرَتْ أَعْدَادُ القَتْلَى بَيْنَ ٤٠٠ وَ٩٠٠ رَجُلٍ وَفْقَ السِّيرَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ، مَعَ الإِشَارَةِ إِلَى عَدَمِ تَوْثِيقِ أَرْقَامِ الجَرْحَى بِدِقَّةٍ. وَقَدْ حَكَمَ فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ الصَّحَابِيُّ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، الحَلِيفُ السَّابِقُ لِبَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ قَبِيلَةِ الأَوْسِ، مِمَّا يُسْتَشْهَدُ بِهِ لِتَأْكِيدِ أَنَّ القَرَارَ لَمْ يَكُنِ انْتِقَامِيًّا صِرْفًا، بَلْ جَاءَ وَفْقَ الأَعْرَافِ الحَرْبِيَّةِ السَّائِدَةِ آنَذَاكَ.
لَكِنَّ الرِّوَايَةَ التَّارِيخِيَّةَ لِهَذِهِ المَذْبَحَةِ تُوَاجِهُ تَحَدِّيَاتٍ نَقْدِيَّةً كَبِيرَةً، أَوَّلُهَا أَنَّ المَصْدَرَ الرَّئِيسَ هُوَ سِيرَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ كَمَا نَقَلَهَا ابْنُ هِشَامٍ، وَقَدْ كُتِبَتْ بَعْدَ عُقُودٍ مِنْ وُقُوعِ الأَحْدَاثِ، وَالاعْتِمَادُ عَلَى مَصْدَرٍ وَاحِدٍ أَوْ شَبَكَةٍ مَحْدُودَةٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ المَنْقُولَةِ دَاخِلَ المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ النَّاشِئِ يَجْعَلُ الصُّورَةَ نَاقِصَةً وَيَطْرَحُ تَسَاؤُلَاتٍ حَوْلَ صِحَّةِ التَّفَاصِيلِ، بِمَا فِي ذَلِكَ أَعْدَادُ القَتْلَى وَدِقَّةُ حَادِثَةِ نَقْضِ العَهْدِ.
وَقَدْ وَقَعَتْ حَوَادِثُ مُشَابِهَةٌ مَعَ قَبَائِلَ أُخْرَى، فَفِي حَالَةِ بَنِي النَّضِيرِ، كَانَتِ القَبِيلَةُ عَلَى خِلَافٍ مَعَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ مُؤَامَرَةٍ مَزْعُومَةٍ لِاغْتِيَالِهِ، أيْضًا كَمَا تَقُولُ المَصَادِرُ الإسْلَامِيَّةُ، فَتَقَرَّرَ حِصَارُهُمْ وَإِخْرَاجُهُمْ مِنَ المَدِينَةِ مَعَ تَرْكِ بَعْضِ مُمْتَلَكَاتِهِمْ، وَلَمْ تُذْكَرْ أَعْدَادُ القَتْلَى بِدِقَّةٍ، وَيُعْتَقَدُ أَنَّ الصِّرَاعَ انْتَهَى إِلَى نُزُوحِ القَبِيلَةِ بِالكَامِلِ دُونَ مُوَاجَهَةٍ قِتَالِيَّةٍ كَبِيرَةٍ، بَيْنَمَا تَعَرَّضَتِ الرِّوَايَةُ لِلنَّقْدِ بِاعْتِبَارِهَا وَسِيلَةً لِتَبْرِيرِ الإِجْلَاءِ. أَمَّا بَنِي قَيْنُقَاع، فَقَدْ خَالَفُوا المُسْلِمِينَ فِي حَادِثَةٍ بِالسُّوقِ، مَا أَدَّى إِلَى حِصَارِهِمْ ثُمَّ إِخْرَاجِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ، مَعَ مُصَادَرَةِ جُزْءٍ مِنْ مُمْتَلَكَاتِهِمْ، وَلَمْ تُذْكَرْ أَعْدَادُ القَتْلَى أَوِ الجَرْحَى بِدِقَّةٍ، وَيَبْدُو أَنَّ الإِجْرَاءَ كَانَ أَقَلَّ عُنْفًا مُقَارَنَةً بِبَنِي قُرَيْظَةَ، مَا يُشِيرُ إِلَى اخْتِلَافِ طَبِيعَةِ العُقُوبَةِ حَسَبَ الخَطَرِ المَلْمُوسِ الَّذِي شَكَّلَتْهُ كُلُّ قَبِيلَةٍ.
مِنَ المَنْطِقِيِّ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ حَاضِرًا فِي النِّزَاعِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنِ الدَّافِعَ الوَحِيدَ، إِذْ تَأَثَّرَتِ الأَحْدَاثُ بِالسِّيَاسَةِ وَالتَّحَالُفَاتِ القَبَلِيَّةِ وَمُتَطَلَّبَاتِ الأَمْنِ العَسْكَرِيِّ لِلْمَدِينَةِ، كَمَا أَنَّ الاعْتِمَادَ عَلَى الرِّوَايَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ وَحْدَهَا لَا يَكْفِي لِإِثْبَاتِ التَّفَاصِيلِ بِدِقَّةٍ، وَغِيَابُ رِوَايَاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ يَجْعَلُ الرِّوَايَةَ قَابِلَةً لِلتَّأْوِيلِ: هَلْ كَانَ نَقْضُ العَهْدِ حَقِيقَةً أَمْ تَبْرِيرًا لَاحِقًا لِلْعُقُوبَةِ؟ وَذَكَرَتِ السِّيرَةُ أَنَّ قَتْلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يَتَرَاوَحُونَ بَيْنَ ٤٠٠ وَ٩٠٠، وَهُوَ رَقْمٌ كَبِيرٌ نِسْبِيًّا مُقَارَنَةً بِعَدَدِ سُكَّانِ المَدِينَةِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وَقَدْ يَكُونُ تَضْخِيمُ الأَعْدَادِ جُزْءًا مِنَ السَّرْدِ لِتَأْكِيدِ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ وَانْتِصَارِهِمْ.
وَقَدْ تَبَايَنَتِ العُقُوبَاتُ بِحَسَبِ كُلِّ قَبِيلَةٍ، فَبَنِي قُرَيْظَةَ قُتِلَ رِجَالُهَا، وَسُبِيَتْ نِسَاؤُهَا وَأَطْفَالُهَا، وَصُودِرَتْ أَمْوَالُهَا، بَيْنَمَا بَنِي النَّضِيرِ أُخْرِجُوا مِنَ المَدِينَةِ وَصُودِرَتْ بَعْضُ مُمْتَلَكَاتِهِمْ دُونَ تَسْجِيلِ قَتْلَى كُثُرٍ، وَبَنِي قَيْنُقَاع حُصِرُوا وَأُخْرِجُوا مَعَ مُصَادَرَةِ مُمْتَلَكَاتِهِمْ، وَهَذَا التَّبَايُنُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الاعْتِبَارَاتِ العَسْكَرِيَّةَ وَالسِّيَاسِيَّةَ كَانَتْ حَاسِمَةً أَكْثَرَ مِنَ الدِّينِ وَحْدَهُ.
وَيَبْرُزُ السُّؤَالُ الأَخْلَاقِيُّ الهَامُّ: هَلْ يَحِقُّ لِأَيِّ قَائِدٍ، سَوَاءً كَانَ مُحَمَّدًا أَوْ غَيْرَهُ، أَنْ يُخْرِجَ قَبِيلَةً كَامِلَةً مِنْ أَرْضِهَا وَمَنَازِلِهَا لِمُجَرَّدِ خِلَافٍ أَوْ تَهْدِيدٍ مُحْتَمَلٍ؟ مِنَ المَنْطِقِ التَّارِيخِيِّ، فِي عَصْرِ الحُرُوبِ القَبَلِيَّةِ، كَانَتْ مِثْلُ هَذِهِ الإِجْرَاءَاتِ شَائِعَةً بَيْنَ جَمِيعِ القَبَائِلِ، إِذْ أَيُّ تَهْدِيدٍ لِلْأَمْنِ الدَّاخِلِيِّ غَالِبًا مَا يُعَاقَبُ بِعُقُوبَاتٍ قَاسِيَةٍ بِمَا فِي ذَلِكَ الطَّرْدُ أَوِ القَتْلُ أَوْ مُصَادَرَةُ المُمْتَلَكَاتِ، أَمَّا مِنَ المَنْطِقِ الأَخْلَاقِيِّ الحَدِيثِ، فَمِثْلُ هَذِهِ الإِجْرَاءَاتِ تُعْتَبَرُ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ إِطْلَاقًا لِأَنَّهَا تَسْتَهْدِفُ المَدَنِيِّينَ الأَبْرِيَاءَ وَتَفْتَقِرُ إِلَى أَيِّ عَدَالَةٍ أَوْ حِمَايَةٍ قَانُونِيَّةٍ، وَهُوَ مَا يُوَضِّحُ التَّنَاقُضَ بَيْنَ المُبَرِّرَاتِ التَّارِيخِيَّةِ وَالمَعَايِيرِ الأَخْلَاقِيَّةِ الحَدِيثَةِ.
تَظَلُّ هَذِهِ الحَوَادِثُ نَمُوذَجًا صَارِخًا لِتَعْقِيدَاتِ دِرَاسَةِ التَّارِيخِ المُبَكِّرِ لِلْمُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ، فَهِيَ تُظْهِرُ تَدَاخُلًا بَيْنَ الدِّينِ وَالسِّيَاسَةِ وَالتَّحَالُفَاتِ وَالاعْتِبَارَاتِ الأَمْنِيَّةِ، وَتُوَضِّحُ صُعُوبَةَ الفَصْلِ بَيْنَ الدَّوَافِعِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، إِذْ تَصِفُ الرِّوَايَاتُ الإِسْلَامِيَّةُ الحَدَثَ بِأُسْلُوبٍ يُبَرِّرُ الإِجْرَاءَاتِ المُتَّخَذَةَ لَكِنَّهَا لَا تُقَدِّمُ تَفَاصِيلَ دَقِيقَةً مُسْتَقِلَّةً عَنِ الطَّرَفِ الآخَرِ. لِذَا يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ حَدَثًا عَنِيفًا وَقَعَ بِالفِعْلِ، لَكِنَّ دَوَافِعَهُ وَأَعْدَادَ الضَّحَايَا وَطَبِيعَةَ العُقُوبَةِ تَبْقَى مَحَلَّ نِقَاشٍ نَقْدِيٍّ مُسْتَمِرٍّ، وَكَانَ الدِّينُ جُزْءًا مِنَ الهُوِيَّةِ وَالصِّرَاعِ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنِ السَّبَبَ الوَحِيدَ أَوِ الحَاسِمَ لِكُلِّ الإِجْرَاءَاتِ.
إِنَّ فَهْمَ هَذِهِ الحَوَادِثِ يَتَطَلَّبُ النَّظَرَ إِلَى السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ بِالكَمَالِ، مَعَ إِدْرَاكِ حُدُودِ المَصَادِرِ المُتَاحَةِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَدَثِ الفِعْلِيِّ وَتَفْسِيرِ المُنْتَصِرِ، وَهُوَ تَحَدٍّ يَظَلُّ مَفْتُوحًا أَمَامَ البَاحِثِينَ حَتَّى اليَوْمِ، كَمَا يَبْرُزُ السُّؤَالُ الأَخْلَاقِيُّ بِوُضُوحٍ وَيَدْعُونَا لِمُقَارَنَةِ السُّلُوكِ السِّيَاسِيِّ وَالعَسْكَرِيِّ فِي القَرْنِ السَّابِعِ مَعَ المَعَايِيرِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالقَانُونِيَّةِ الحَدِيثَةِ، لِنُدْرِكَ الفَجْوَةَ بَيْنَ المَنْطِقِ التَّارِيخِيِّ وَالعَدْلِ المُعَاصِرِ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق