الاثنين، 18 مايو 2026

الطائر في القفص الزجاجي بقلم عبدالفتاح الطياري


الطائر في القفص الزجاجي
تضعني تساؤلات ابني اليافع أمام خيارين أحلاهما مُرّ، وهي تساؤلات لا تخصه وحده، بل تعكس المأزق التاريخي الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية اليوم. بمَنطقه الواقعي الحاد، يرى ابني أن الخيارات تضيق وتتلاشى، محصورة بين "انفجار مدوٍّ" يعيد لفت أنظار العالم لكنه يكلف أثماناً باهظة من دماء الأبرياء، وبين "استسلام باكٍ" يمحو القضية تدريجياً من الذاكرة الدولية.
لأقرب له المشهد المعقد، جلست بجانبه ورويت له هذه الحكاية:

 "الطائر في القفص الزجاجي"
يُحكى أن طائراً جريحاً حُبس في قفص زجاجي سميك وسط حديقة غنّاء. كان العالم من حوله يمر صامتاً، يتأمل جمال ريشه الملون، دون أن يرى أحدٌ تلك القضبان الزجاجية الخفية. ومع مرور الوقت، نسي الناس أن هذا الطائر أسير، وظنوا أن صمته ليس إلا علامة "رضا" واستمتاع بحياته المخملية.
كان أمام الطائر الجريح خياران لا ثالث لهما:
البكاء الهادئ: أن ينزوي في ركن القفص المعتم، يغرد بحزن خافت، ويموت ببطء دون أن يشعر به أحد، بينما يواصل العالم صخبه وحياته وكأن شيئاً لم يكن.
الارتطام بالزجاج: أن يجمع ما تبقى في جسده الواهن من قوة، ويضرب بجناحيه ذلك الزجاج السميك. هو يعلم يقيناً أن الزجاج قد لا ينكسر، ويعلم أن جسده الغض سيُدمى، لكنه بفعلته هذه "يُحطم جدار الصمت".
حين يرتطم الطائر، ينتبه الجميع مذهولين. يسيل الدم القاني على الزجاج الشفاف فيغطيه، ويجبر المارة – رغماً عنهم – على رؤية "السجن" الذي تآمروا لتجاهله.
سأله عصفور حر كان يرقبه من بعيد: "ما حظك من هذا الارتطام الأعوج؟ لقد آذيت نفسك أكثر، والقفص لا يزال قائماً!"
أجاب الطائر والدم ينزف من صدره: "حظي أنني استعدت صفتي كـ 'سجين' لا كـ 'ديكور' في حديقة. حظي أنني جعلت العالم يشعر بالقلق في مخدعه، وأثبتُّ أن هذا الزجاج، مهما بدا قوياً وصامداً، فهو يستر خلفه بركاناً لا يهدأ".

التفتُّ إلى ابني وقلت له: ما تراه اليوم يا بني هو "معضلة الفعل" ذاتها، حيث يتأرجح الواقع بين خيارين:
أولاً: تكرار صرخة الارتطام
وهو ما تمثله أحداث "7 أكتوبر" وأخواتها؛ إنها صرخة الارتطام العنيف بالزجاج. قد لا تُحرر الأرض فوراً، وقد تجلب دماراً هائلاً وردود فعل وحشية، لكنها تمنع "موت القضية سريرياً". إنها محاولة لكسر "قانون القوة" الذي فرضه الخصم لسنوات، وإخباره بأن "الأمن المطلق" وهمٌ تبدده الأيام طالما أن "العدل المطلق" غائب.
ثانياً: البكاء مع الباكين
وهو القبول المستكين بدور الضحية التي تنتظر صدقة عابرة من "المجتمع الدولي"، أو ترهن مصيرها بـ "حلول ورقية" ومفاوضات عبثية لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

يا بني، إن "الحظ" ليس كلمة موجودة في قاموس الشعوب المحتلة، فالحظ لا يُنتظر بل يُصنع بالصمود والمقاومة. الفلسطينيون اليوم ليسوا في نزهة اختيار، بل هم في عضٍّ متبادل على الأصابع مع محتلهم. والصرخة – مهما كانت مؤلمة وجالبة للويلات – هي الكفيلة بإبقاء القضية حية على طاولات الكبار.
قد تبدو إسرائيل اليوم "رابحة بنسبة 100%" مقياساً بالقوة العسكرية والمادية والدعم الدولي، لكنها في العمق "خاسرة أخلاقياً وتعيش قلقاً وجودياً". إنها تقبع في قلعة محصنة، لكنها تعلم يقيناً أن من ينام في العراء خارج أسوارها لن يتركها تنعم بما أخذته بالقوة.
إن حظ الفلسطينيين الحقيقي يكمن في "قدرتهم الفائقة على إفساد نصر الخصم". فما دام صاحب الحق يرفض الموت صامتاً، فإن "الفوز" الذي تظنه إسرائيل نهائياً ليس في الحقيقة إلا "هدنة مؤقتة" بانتظار الانفجار القادم.
صمتُّ قليلاً، ونظرت في عيني ابني الحائرتين وتساءلت في سري: هل يرى ابني أن "الارتطام بالزجاج" هو الحل الوحيد المتبقي في أيدينا، أم أنه – كجيل جديد – يبحث عن "طريق ثالث" مبتكر، طريق لم يكتشفه العرب بعد؟
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

عبثا (٣٧) بقلم أحمد يوسف شاهين

عبثا (٣٧) عبثًا تنادي أيناها الملايين             أين الجماعة لو كنتم مجدِّين  كفى تمخضًا بالأقوال... ثرثرة          ...