كبر وهو يظن أن الحب طريق واحد يبدأ وينتهي في قلب واحد اختار رفيقة دربه وأم أطفاله ومضت الأيام هادئة مستقرة كأنها نهر يعرف مجراه ولا يحيد عنه حتى جاء ذلك المساء الذي لم يكن في الحسبان حين لمحها صدفة فعاد شيء قديم كان مدفونًا في أعماقه كأن الزمن لم يمسّه وكأن القلب احتفظ بنبضه لها دون أن يشعر
هي لم تكن غريبة بل كانت حكاية قديمة بدأت في زوايا الطفولة نظرات خجولة وأحلام لم تكتمل ثم افترق الطريقان دون وداع حقيقي وظن كل منهما أن الآخر صار مجرد ذكرى حتى أعادهما القدر إلى مواجهة صامتة لا تحتاج إلى كلمات
وقف أمامها وفي داخله ألف سؤال وألف ارتباك رآها كما هي وربما أجمل لكن في عينيها شيء يشبهه نفس الدهشة نفس الخوف ونفس الحنين الذي لا يجرؤ أن يُقال ابتسمت بخفة كأنها تخفي ارتجاف قلبها ورد السلام بصوت حاول أن يبدو عاديًا لكن صوته خانه
كلما التقيا صدفة تشتعل تلك الجمرة القديمة من جديد نظرات طويلة يهربان منها قبل أن يفضحهما الشوق أحاديث قصيرة لا تقول شيئًا لكنها تحمل كل شيء كلاهما يعرف أن ما بينهما لم يمت لكنه أيضًا يعرف أن الطريق إليه مغلق وأن الاقتراب خطوة واحدة قد يهدم كل ما بنياه من حياة
كان يعود إلى بيته مثقلًا بصراع لا يهدأ يرى زوجته التي أحبها بطريقته وأخلص لها ويشعر بوخز الضمير كأنه يخونها حتى وهو صامت ويقول في نفسه ما هذا الذي عاد الآن ولماذا لم يمت كما يجب للأشياء أن تموت
وهي أيضًا تعود إلى بيتها تحاول أن تقنع قلبها أن ما يحدث مجرد ذكرى عابرة لكن عينيها تفضحانها حين تسرح بعيدًا في لحظة صمت وتشعر بذنب يشبهه تمامًا فهي زوجة لرجل لم يقصر معها ومع ذلك هناك زاوية في قلبها لا تزال تنبض باسمه
لم يتحدثا يومًا عما في داخلهما لم يعترفا ولم يقتربا أكثر مما ينبغي لكن كل لقاء كان اعترافًا صامتًا وكل فراق كان محاولة للهروب من شيء يلاحقهما بلا صوت
كان يتمنى أن يراها دون خوف أن يجلس معها ويقول كل ما اختبأ في صدره منذ سنين لكنها أمنية يعرف أنها مستحيلة لأنها تعني أن يخسر نفسه قبل أن يخسر الآخرين وهي كانت تتمنى الشيء ذاته أن تسرق لحظة صادقة بلا حساب لكن الخوف كان دائمًا أقوى
فصار حبهما صامتًا يعيش في المسافة بين نظرة وأخرى في لحظة ارتباك في سلام سريع في قلبين اختارا أن يقاوما بدل أن يستسلما لأنهما يعرفان أن بعض الحب لا يُعاش بل يُحتمل وبعض القلوب لا تلتقي إلا لتفترق من جديد دون أن تخطئ
وهكذا استمر كل منهما في حياته يحمل داخله قصة لم تكتمل وحنينًا لا يُطفأ ولقاءات عابرة تعيد كل شيء إلى البداية ثم تتركه معلقًا بين ما كان وما لا يمكن أن يكون
بقلم : جمال الشلالدة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق