بقلم الشاعر: منداس غريسي / الجزائر
شَمْشَق...
هكذا نطقها الشاعر.
لم يقل: دِمَشْق؛
فالدال، في فمه يومئذ،
خلعت جلبابها،
وتنكّرت في ثوب الشين.
ومضى يمجّد شَمْشَق،
مدينةَ الياسمين إذا تنفّس الفجر،
ومدينةَ المآذن حين تصعد أصواتها
فتوقظ في السماء ذاكرةَ التاريخ،
ومدينةَ الحجر الذي حفظ خطى الأنبياء والعابرين،
وظلّ واقفًا
كلما انحنى الزمن.
وكان كلما مرّت به دالٌ
خرجت من فمه شينًا.
فإذا قال دربًا سمعوا شربًا،
وإذا أراد دارًا خرجت شارًا،
حتى ظنّ بعضهم أن الشاعر
لا يتحدث العربية،
بل يتحدث لغةً أخرى تسكن بين الحروف.
وقال آخر:
— لعلّ وراء هذا التبديل سرًّا من أسرار البيان!
أما الشاعر،
فابتسم.
كان يعرف أن الحرف قد يتعثّر على اللسان،
لكن المعنى إذا امتلك جناحيه
لا يسقط.
وظلّ ينثر كلماته،
حتى بلغ آخر القصيدة،
ثم قال:
«سورية...»
فسكت المجلس.
نظر بعضهم إلى بعض،
ثم قال أحدهم:
— الآن فهمنا!
ابتسم الشاعر:
— ماذا فهمتم؟
قالوا:
— كنتَ تقصد دمشق... سورية!
فضحك وقال:
— يا للعجب!
احتجتم إلى سورية بأكملها
كي تفهموا دالًا واحدة!
ضحك المجلس،
أما الحروف فظلت صامتة.
كانت الدال في آخر السطر
تنظر إلى الشين، وتقول:
— أعيدي إليّ اسمي.
فقالت الشين:
— لم أسرقه منكِ...
إنما استعرتُه ساعةً
لأصنع من الخطأ حكاية.
وهكذا انكشف السر:
ليس كلّ ما يتعثّر في اللفظ
يتعثّر في المعنى؛
فقد يخطئ اللسانُ بابَ الحرف،
لكن البيانَ يعرف طريقَه إلى القلب.
أما دمشق،
فلا يغيّر اسمَها تبديلُ حرف،
ولا يحجبُها عثارُ لسان؛
فهي مدينةٌ
إذا نطقها التاريخ،
لم يحتج إلى دالٍ
كي يقول:
كل التحية و التقدير لضفاف القلب من القلب
ردحذف