الأحد، 26 يونيو 2022

في مهب العاصفة بقلم أمل شيخموس

 في مهبّ العاصفة 

قصة 

بقلم الكاتبة الروائية 

أمل شيخموس // سوريا 

                                                                    

تزحلقتْ على البلاط "السيراميك"  فتناثر مسحوق الشاي الأسود من داخل الإبريق الذي سقط من بين يديها . . قفز خطواتٍ عدّةً بعيداً عنها أخُيِّلَ إليها أم أنّها الحقيقة . . ؟ ! غرقَ فناء الحوش بسائل الشاي . . تمعنُ في النّظرِ إلى ما حولها أنَّها ليست في حلم ، الشاي كالنبع الذي أغرق أرضية الحوش ! سطح البلاط غدا بنياً قاتماً بلون القرفة الداكنة و بقايا مسحوقه الجاف المغلي مسبقاً . . منتشر بشكل كثيف يحجبُ رؤيةَ الْبَلاطِ مذهولة من المشهد بينما أختها المفضلة عند والديهما برفقة طفلها أيضاً ولجت حجرة هذه التي من بين مسحوق الشاي المتراكم استقامت ، بيتها عبارة عن حجرتين من الطين و الحجارة السوداء أسرعت لترى ما فاعلة الأخرى في الحجرة مدهوشة كيف أن أختها القوية البنية ماشاء الله و التي تحمل كذلك طفلها بيدٍ واحدة و الأخرى من على السلم الخشبي تجر الحجارة السوداء النافرة قليلاً من بين الطين كي تهندسهُ أكثر لكنّها تسمّرتْ في مكانها متعجّبَةً ؟ ! كيف تسحبُ بقوة صخرة كبيرة من بين البناء المتين تنتزعهُ انتزاعاً . . ! ! في محاولة رميهِ خارجاً إلى الفناء ! !

صرخت تقول : 

-  أن احترسي ! 

 خلفكٍ أنا و الرضيع الهزيل أيضاً طفلكِ في خطر الذي تمسكينهُ بيدٍ واحدة ! ! 

لم تستمع إلى ما تقوله الأخرى التي في رأيها من الحثالة . . هشة في نظرهم ! بيد أنّ والديهما قاما بإضعافها رغماً عنها . . فهي ليست حادة الطباع مثلهم كما تقاسي الفَقْرَ الْمُدْقِعَ الّذي جعلها تبني حجرتين صغيرتين من الطين في زاوية بيتهم مما جعلها تتجرع ألوان المهانة إثر استشهاد زوجها و ترك هذا الرضيع اليتيم بين ذراعيها ! . . أخذت العملاقة تجرُ الحجارة الواحدة تلو الأخرى و تقذفها بقوّةٍ كانطلاقة الصّاروخ من قاعدتهِ نظراً للدعم الذي تلقتهُ منذ الطفولة بالأخص والدها الذي كان يقول أنها تشبهني فتحبها الأم أيضاً أكثر ! !

 يا إلهي ! خرجت خاسئة لا تدري ما تفعله ؟ كي تتجنب إصطدام أي حجر . . أمها تتدحرجُ بسرعة من حجرة أبيها يبدو أنّهما كانا يحسبان ما بحوزتهما . . كالعادة يوصدون الباب و النافذة في جوٍّ من التكتم لتتم عملية عد الأموال بنجاح و سرية تامة اكتناز الأموال يحتاجُ - كلّ فترة -  إلى تفقُّدِهَا و عدّها ! ! 

 دنت الأم بنبرة واجبة التنفيذ :

- لمعي المكان . .أفسدتيه ؟ !

 بنبرة خاضعة أجابت : 

- بالتأكيد .

 تحاور والدتها بقلق و توجس : 

-  سوف يُهدمُ بيتي !  

 الغبار يتصاعد من الحجرتين لقد أنتزعت الحجارة الأساسية التي تسندُ البيت المهدد بالإنهيار إن استمرت في ذلك ! ! 

جاءت الإجابة القاطعة لسان أمها : 

- كلا ! ! 

هي تنظفُ . . أنتِ قذرة !

نبست المقهورة  : 

- لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم !

خرجت المنتصرة العملاقة من الحجرة مكللة وسط تهنئة الأم لها  

 بينما مثخنة الكلوم يستجديان قطرات الحليب و العطف ، هي و طفلها في حالة صراعٍ داخليٍّ هو مهمل يصارع الجوع و هي تتأمّل أختها ترفل بالدّعمِ الأسَرِيِّ . . و لا تفصلُ بينهما سوى أعوام قليلة جفلت من الصدمةِ فجأةً على صوت بيتها ينهار ! انهارَ بيتُها للمرة الثانية ! ! 

ففي الأولى استشهد زوجها ويُتِّمَ طفلها ، فوالدهُ ضحى بدمهِ لينهبهُ اللصوص أصحاب الشعارات الوطنية المزيفة . . و ها هي المرة الثانية إثر خراب بيتها تقفُ مذهولةً مجفولة مما حدث و يحدث حتّى من أقرب النّاسِ إليها ! ! بقي الرضيع يصرخ وسط صدمة الأم كالقشة في مهب العاصفة ! ! و القادمُ ربّما هو الأجملُ . . ! ! 


الأب لم يظهر كلياً في المشهد كان يحترس و يحرس أموالهُ

انفجار تام للمسرحية بعد اكتمال المشهد و بالأخص تلك الجملة الأخيرة حيثُ كان الإنفجارُ على نوعين متناقضين من المشاعر الأول هو الحزن الشديد القاتم ، و الآخر هو الضحك المر من جملتها الأخيرة أن القادم أجمل ؟ ! و التي كانت تنطوي على السخرية الكبرى كيف لمضطهدة مثلها أن تنعم بالسلام بعد أن خانها زوجها فخانهُ الوطن ! ! ؟.فتخلّى عن الوطنِ تاركاً إيّاهُ للّصوصِ ليرتعوا في خيراته ، و بها ينعموا ! ! ؟ 

بقلم الكاتبة أمل شيخموس



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

مَجازِرُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فِي ضَوْءِ تَعَارُضِ المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ بقلم فُؤاد زاديكي

مَجازِرُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فِي ضَوْءِ تَعَارُضِ المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ لِلباحِثِ فُؤاد زاديكي يُثِيرُ...