الأحد، 26 أبريل 2026

حافة الطريق ق.ق بقلم طارق الحلوانى

حافة الطريق ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
لم أنتبه لها في البداية.
كان كل شيء عاديًا أكثر مما ينبغي: ميكروباص مكتظ، هواء ثقيل، وزجاج يرتجف كأن الطريق يمرّ به لا العكس.
حين التفتت، لم تبتسم.
قالت:
— ممكن تليفونك دقيقة؟
ناولتها الهاتف.
حاولت أن أنشغل بالنافذة، لكن صوتها ظل عالقًا قريبًا.
لم تكن تتكلم بقدر ما كانت توقظ أحدًا.
اسم يتكرر.
رجاء يتصاعد.
ثم جملة خرجت مكسورة:
"علشان الشغل.. علشان العيال.."
توقف الصوت فجأة.
أعادت الهاتف.
لم تقل شيئًا.
ولم أسأل.
بعد قليل، سألت عن عنوان داخل كمبوند.
نطقت الاسم ببطء، كأنها تختبره قبل أن تصدقه.
قالت إنها ذاهبة للعمل هناك.
تعطلت السيارة في منتصف الطريق.
الصحراء بدت أوسع من اللازم.
نزلت.
مشيت.
بعد خطوات، جاءني صوتها:
— استنى!
كانت تسرع نحوي، تمسك حقيبتها كأنها قد تفلت منها.
توقفت أمامي:
— ممكن أمشي معاك؟
أومأت.
مشينا.
في البداية، كان الصمت مريحًا.
ثم بدأت تتكلم، كأن الطريق يستخرج منها ما حاولت إخفاءه.
ثلاثة أطفال.
زوج لا يستيقظ في الوقت المناسب.
مصنع أغلق أبوابه.
وإعلان على الإنترنت.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— أنا مش مطمنة.
نظرت إليّ مباشرة:
— ممكن تقول إنك جوزي؟
توقفت.
لم يكن الطلب مفاجئًا بقدر ما كان واضحًا أكثر من اللازم.
نظرت إليها.
للحظة قصيرة، مرّ خاطر سريع:
ماذا لو لم تكن خائفة.. بل تعرف ما تفعل؟
اختفى الخاطر بنفس السرعة.
— ليه؟
— علشان لو طلع مش تمام.
لم تضف شيئًا.
وافقت.
داخل الكمبوند، بدا كل شيء مرتبًا أكثر مما ينبغي.
الأشجار، الممرات، الحراسة..
نظافة زائدة، كأنها طبقة فوق شيء آخر.
سألنا عن الفيلا.
نظر رجل الأمن إلينا طويلًا، ثم قال:
— المكان متأجر لشباب.. وفيه خدامة.
صمت لحظة، ثم أضاف:
— خليكوا على حذركم.
لم تسأله.
ولا أنا.
خرجنا.
في طريق العودة، كانت تمشي أسرع.
كأنها تبتعد عن شيء لم نره.
قرب مبنى لم يكتمل، خرجت الكلاب فجأة.
صوتها كان حادًا، أقرب إلى إنذار.
في لحظة، كانت في حضني.
لم أتحرك.
يدها تمسكت بي بقوة.
رأسها قريب، وأنفاسها سريعة.
للحظة..
لم أعرف إن كان الخوف منها.. أم منها.جاء الحارس وأبعد الكلاب.
تراجعت ببطء، لكن يدها تأخرت جزءًا من الثانية، كأنها تختبر المسافة بعد أن زال الخطر.
أكملنا السير.
عند أول طريق، ركبنا ميكروباص.
جلست بجوار النافذة.
انعكس وجهها على الزجاج أوضح من الخارج.
أخرجتُ بعض المال.
نظرت إليه، ثم إليّ.
مدّت يدها.. ثم تراجعت.
ثم مدّتها مرة أخرى.
كتبت رقمي على ورقة، ووضعتها في يدها.
بقيت الورقة بين أصابعها، دون أن تُخفى.
نزلت.
لم تلتفت.
لكن قبل أن تبتعد، رأيتها 
— عبر الزجاج — تفتح الورقة.
توقفت.
ثم رفعت عينيها قليلًا..
كأنها تبحث عن شيء لم يعد موجودًا.
تحرك الميكروباص.
وظلت الورقة في يدها..
مفتوحة.

طارق الحلوانى 
أبريل ٢٠٢٦

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

لما نشتاق بقلم المحجوب بوسبولة

//////++لما نشتاق ++////// لما نشثاق لك ياحرفي يظهر صمتك في عز سطورة نسكت يفضحني سر ولفي نتفكر وناستك وحسن الجورة ...