الثلاثاء، 24 ديسمبر 2024

فلسفة اللذة والألم وثقافة الدوبامين بقلم علوي القاضي.

(1)فلسفة اللذة والألم وثقافة الدوبامين(1)
دراسة وتحليل : د/علوي القاضي.
... حركة الحياة ذات قطبين ، وهي تسير في اتجاههين إما تحقيق اللذه ، أو تحمل الألم ، ويتجلى هذا المعنى في بكاء الطفل من الألم لحظة ولادته ، والجميع من حوله في قمة اللذه حتى الأم رغم ٱلام الحمل الولادة تكون في قمة اللذة حينما تسمع بكاء وليدها ، ونفس الطفل عند موته شيخا يبتسم وهو في قمة اللذة بعدما يرى مقعده من الجنة ويشم رائحة الطيب مع الملائكة لإستلام روحة ، ونفس الأهل من حوله يبكون لفراقة والشخص هو هو ، يالتفاهة الحياة وسطحيتها 
... و (اللذة) تتحقق في حالتين : إما أن تتحقق في حد ذاتها من خلال مواقف وأحداث تؤدي لها ، أو في البُعد عن مصادر الألم وتجاوزه ، وهذا التجاوز في حد ذاته له لذة ، كذلك (الألم) يحدث من موقف مباشر يسبب الألم أو عند فقد مصدر من مصادر اللذة
... ومابين (اللذة والألم) فهناك أمل في الحياة ، فالحياة رحلة مليئة بالتناقضات ، فهي تتراوح بين الأمل و (الألم واللذة) ، ونحن كبشر نعيش في دائرة لانهائية من التجارب والمشاعر المختلفة ، نحاول أن نعيش في ظل (الأمل) ، وهو مايمنحنا القوة والعزيمة لمواجهة التحديات والصعاب ، ف (الأمل) يمثل النور الذي زرعه فينا الخالق سبحانه ليضيء طريقنا ويمنحنا الثقة في أن الأيام الأفضل ستأتي ، ومع ذلك فإن الحياة ليست خالية من (الٱلام) فنحن نواجه الصعاب والمحن ، ونتعرض للخيبات والألم الجسدي والنفسي ، ويمكن أن يكون (الألم) مصدرًا للتعلم والنمو ، ولكنه يمكن أيضًا أن يكون تجربة قاسية ومؤلمة إنها جزء لايتجزأ من الحياة ، ونحن مدعوون لتجاوزه وتعزيز قدرتنا على التكيف والتحمل في الوقت نفسه ، وتعتبر (اللذة) زائلة ومؤقتة ، نحن نعيش لحظات السعادة والفرح ولكنها لاتستمر إلى الأبد ، قد نجد اللذة في العلاقات العاطفية أو التفوق والحصول على الشهادات أو النجاح المهني أو الهوايات التي نستمتع بها ، ولكن هذه اللحظات تمر بسرعة وتتلاشى ، في النهاية يجب علينا أن نتقبل هذه التناقضات وأن نحاول إيجاد التوازن بينها ، ويجب أن تكون فلسفتنا في الحياة أن نحافظ على (الأمل) ونتعامل مع (الألم) بصبر وقوة ، ونستمتع بلحظات (اللذة) عندما تحدث ، ولكننا لانعتمد عليها لتحقيق السعادة الكاملة ، إن فهمنا لهذه الحقائق الفلسفية يمكن أن يساعدنا في التعامل مع صعوبات الحياة وأن نعيشها بحكمة ورضا بقضاء الله وقدره 
... عند معظم الفلاسفة نجد أن من روائع (فلسفة اللذة والألم) ، والغاية من الوجود الدنيوي أنه ليس في هذه الدنيا لذة البتة ، بل ذاك الذي يظن أنه لذة فهو ليس في ذاته ولكنه الخلاص من الألم ، فإن مايخيل لنا من اللذة عند الأكل فهي لذة الخلاص من ألم الجوع ، ومايخيل لنا من اللذة عند اللبس فهي لذة الخلاص من ألم الحر أو البرد ، فليس للإنسان في حركة حياته إلا حالتين إما حدوث الألم أو الخلاص من الألم والإنتقال إلى آخر ، فهذا أدق تفسير لقول الله تعالى (لقد خلقنا الإنسان فى كبد) والكبد هنا بمعنى المشقة المصحوبة دائما بالألم
... فاللذة والألم مرتبطتان إرتباطا وثيقا معاً ، فمن يريد أكبر كمية من اللذة والمتعة ، عليه أن يقبل بكمية تساويها من الألم والوجع ، وإذا قررت تقليل درجة الألم البشري ، فأنت أيضاً تقلل قدرة البشر على الشعور باللذة والمتعة والسعادة ، ‏وتضحية المرء بصحته في سبيل أي نوع آخر من أنواع السعادة ، هو أكبر الحماقات ، لأن التضحية باللذة في سبيل تجنب حدوث الألم مكسب واضح
... يسجل كتاب (الجسد بين اللذة والألم) ، للمؤلف (حنا مينا) ، مجموعة رؤى وتوجهات ، التي قدمها في باقة متنوعة من الدراسات والمقالات ويطالعنا (مينا) في كتابه ، بجملة تقديمية مشوقة ، إذ يحكي أن والده قال له : يا حنا ! الدهر دولاب ، لا عمَّك ولا خالك !
، وينتقل ليسجل لنا آخر ماقالته له (إمرأة القبو) في روايته (الشمس في يوم غائم) : إسمع يا صديقي ، الرجل لاتذله إلا شهوته ، فلاتدع شهوتك تذلك !  
... وأرى أن الله سبحانه لم يجعل اللذة والسعادة في مال ولانسب ولامتعة ، ولكنه جعلها صلة خفية بين الأشياء وصاحبها ، فلا تأخذوا الأمور على ظواهرها فإن صاحب المرض المزمن لو حمل من (الألم) ماتظنه أنت حامله ماعاش ، والغني لو نال من (اللذة) ماتحسب أنه نائله ماوسعته الدنيا ، ولكن التعود والتأقلم على الظروف يبطل اللذة والألم معا ، وتٌهُوٍن السجن على السجين ، والحرب على المحارب ، وتجعل الملك الذي في قصره آلاف الجميلات ، مثل الذي في بيته إمرأة واحدة ! ، إنما اللذة التي لاتفنى ولا تنقص فهي لذة (الروح والقلب) ، ولذة (التأمل) ، ولذة (التعبد) في هدأة الليل ، ولذة (المناجي) ربه في الأسحار ، ومن هنا قال المتصوفة : لو ذاق الملوك مانحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف !
... وإلى لقاء في الجزء الثاني إن قدر لنا ذلك وقدرت لنا الحياة 
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

مازلت أتنفس عطرك الذائب بقلم سامي حسن عامر

مازلت أتنفس عطرك الذائب في ردهات القلب  مازلت أكحل عيوني بصورتك تعانق النفس  مازلت في مطرا لا ينضب من حب  صوتك مازال يهمس في مهما طالت مسافا...