الأربعاء، 28 مايو 2025

المريض المناكف بقلم علوي القاضي

 «®» خواطر طبية «®»

        المريض المناكف

من ذكرياتي : د/ علوي القاضي

... يبدو أن ملامحي تعطي إنطباعًا للمريض بالصبر والسلام ، أو ربما البلاهة ، مما يغريه بإجهادي  ، من منطق أنه لابد أن يجادل بلا هدف ، إذا طلبت منه أو نصحته بنظام صحي سليم ، يكفل له الحفاظ على صحته ، ويساعدة في شفاءه 

... عوامل الخطورة علي القلب كثيرة وأهمها ، مرض السكري ، وارتفاع الكوليستيرول والدهون في الدم ، وإرتفاع ضغط الدم ، والتدخين ، والسمنه وزيادة الوزن ، ومحيط الخصر (الكرش) ، والتوتر والعصبية والقلق (الإجهاد النفسي والبدني والذهني) ، ومن هذا المنطلق أعانني الله على إعداء قائمة نصائح إرشادية ، وسلوكية ، لنظام غذائي وحياتي سليم  

... أتذكر ذلك المريض الذي زارني في عيادتي ، وقبل أن يدخل حجرة الكشف قال ، (لو هتقول لي وقف التدخين همشي ومش هاكشف) ، وبسرعة البديهة قلت له (أدخل مش هاطلب منك توقف التدخين) ، وبدأت الفحص واكتشفت أنه يعاني  من إنسداد في ثلاث شرايين تاجية للقلب بنسبة أكثر من ٨٠ ٪ ، ولاتصلح له الدعامات ، وسيحتاج جراحة قلب مفتوح (زرع وتوصيل شرايين تاجية) (CABG) ، شرحت له ظروفة الصحية التي لاتسمح بالجراحة ، ولابد من تنظيم حياته مع العلاج ووقف التدخين ، فرد قائلا (كده بدأنا نختلف) ، وبعد مناقشة سفسطائية ، إستطعت بعون الله ، ثم بمساعدة زوجته ، إقناعة (ظاهريا) بجدول إنسحاب تدريجي من التدخين ، ولكنه لم يستجب ، وبعد حوالى شهرين سمعت خبر وفاته

... وهناك ذلك المريض الذي صرح بأنه يهوى أكل الدهون برغم توصيتي له بالامتناع عنها ، لأن عضلة قلبه ضعفت ولأن شرايينه التاجية تصلبت وضاقت ، ونصحته أن يمتنع عن تناول كل مافيه دهون ، فيقول في حماس وهو يبتلع لعابه ، يادكتووور أنت لا تفهم ما قلت لك ، شراييني التاجية مسدودة تمامًا ، وهذا الكوليسترول يوشك على قتلي ، ياحاج هذا يؤكد نصيحتي ، فيرد ، بل يؤكد أنك لا تصغي لي  يادكتووور ، أنا أحب الدهون هذه نقطة ، والنقطة الأخرى هي أن شراييني التاجية ضيقة ، قلت له أن عليه الإختيار بين الإستمتاع بالدهون ، أو الإستمتاع

بقلب سليم ، ولايمكن أن يجمع بين الحسنيين أبدًا ، إما دهن لذيذ أو قلب سليم ، لا يوجد حل ثالث ، فيستغفر الله ، ويتنهد ويقول ، لكن شراييني التاجية في حالة سيئة جدًا ، هل فهمت أخيرًا يادكتووور ؟! ، قلت له ، هل تقصد أن وضعك لن يزداد سوءًا وإن من الأفضل أن تستمتع بكل شيء مادامت هذه هي النهاية ؟! ، ينظر لي في غيظ ، ويقول يادكتووور فأل الله ولا فألك ، أنت رجل مثقف ويجب أن تنتقي كلماتك ، أنا أحب الدهون ، وآكل الزبدة البلدي وأمقت اللحم الأحمر ، قلت ، فلتنعم بالدهن إذن ، قال ، لكن هناك مشكلة شراييني التاجية ، أنت رجل متعلم وطبيب ، ومستحيل أن تجهل خطر ذلك على صحتى 

... في النهاية إكتشف أنني أضعت ساعة كاملة ولم أفهم  ما يريد وإنتهت الزيارة على لاشئ

... وهناك مريض ٱخر ، ذلك الرجل النهم الذي نصحته بأن يأكل المسلوق ، فأعترف أنه شَرِهٌ للأكل ، ذات يوم دعا صديق له إلى الغداء في بيته (كما حكى لي صديقة) ، في ذلك اليوم ، شعر الصديق بإحترام بالغ عندما وضعوا أمامه طبقًا من الكوسة المسلوقة ، بينما وضعوا أمام الصديق أطباقًا دسمة ، ظن الصديق أن هذا الرجل قوي الإرادة ، قال الرجل لصديقه (بلهجة رثاء للنفس) وهو يرشف الحساء ، (معذرة ، فهذه أوامر الطبيب) ، قال له الصديق  مواسيا ، (أعطاك الله الصحة)

... ولما إنتهى الرجل من شرب الحساء ، فوجئ الصديق  بزوجة الرجل ، تضع أمامه طبقًا بالغ الدسامة ، ثم زوجًا من الحمام تسبح في بحر من الدسم والبهريز ، وبدأ يأكل في نهم شديد ، فهم الصديق من زوجة الرجل ، أنه إفترض أن أكل المسلوق معناه أن يأكله بالإضافة لما كان يأكله في الماضي !

... أي أن أكل المسلوق نوع من العلاج يؤخذ قبل الأكل ! ، النتيجة هي أن وجباته تضاعفت تقريبًا وازداد وزنه 

... وكالعادة ، كان رأيه النهائي بالطبع هو أن الطبيب أحمق لا يفقه شيئًا 

... قابلت الكثير والكثير من هذه النوعية ، بقصد أو غير قصد ، وماعلينا إلا الصبر والتحمل حسبة لله تعالى ، فمهنتنا إنسانية في المقام الأول

... تحياتي ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

مَجازِرُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فِي ضَوْءِ تَعَارُضِ المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ بقلم فُؤاد زاديكي

مَجازِرُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فِي ضَوْءِ تَعَارُضِ المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ لِلباحِثِ فُؤاد زاديكي يُثِيرُ...