الأحد، 13 يوليو 2025

الأطفال المتوحشون بقلم علوي القاضي

«(•)» الأطفال المتوحشون «(•)»
بحث وتحقيق : د/علوي القاضي. 
... تناول أدب الأطفال مقالات وقصص خيالية عن (الأطفال المتوحشين) ، ولكن الأحداث أكدت أن بعض هذه الشخصيات حقيقية وواقعية وإن كانت نادرة  
... ففي عام 1867، في غابة هندية ، تم إكتشاف صبي يعيش فيها ، يُدعى (دينا سانيشار) ، مما غيّر الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الأطفال المتوحشين ، كان الصبي يفضل اللحوم النيئة ، ويمشي على أربع ، ويزمجر مثل الذئاب ، وبعينيه الحادتين وغرائزه الحيوانية ، كان يقضم العظام ، وعلى الرغم من سنوات من الإتصال البشري ، لم يتعلم أبدًا التحدث ، وظلت شخصيتة الغامضة مصدرا لإلهام أدباء الأطفال ، وألهمت حياته واحدة من أكثر الشخصيات شهرة في الأدب (ماوكلي من كتاب الأدغال)
... وهناك صورة أخرى لـ (الطفل الذئب) ، نتيجة خلل جيني تعرف بـ (متلازمة الذئب) ، وتتميز بفرط نمو الشعر ، الذي يغطي جسد الطفل بأكمله بداية من وجهه مرورًا بذراعيه وحتى قدميه ، ويمكن أن يصيب النساء والرجال ، إلا أنه نادر الحدوث ، ويمكن أن يظهر عقب ولادة الطفل أو يتطور مع مرور الوقت ، وهناك عدة أنواع مختلفة من متلازمة الذئب 
... وهناك صورة أخري لـ (الأطفال المتوحشين) تسمى (الطفلة الكلبة) ، ففي إحدى القرى (جنوب أوكرانيا) ، وُلدت طفلة عام 1983 تُدعى (أوكسانا مالايا) ، لم تختلف عن أي طفلة في بدايتها ، لكن القدر رسم لها طريقًا قاسيًا ، ففي عمر الثالثة ، لم تجد أوكسانا في أسرتها حضنًا يضمها ، ولا كلمة تُشعرها بالأمان ، فقد كان والداها غارقَين في إدمان الخمر ، لايمارسا دورهما كأبوين ، لم تجد الطفلة من يطعمها ، أو من يكسوها ، أو حتى من يلاحظ وجودها
... وفي ليلة باردة ، خرجت (أوكسانا) من منزلها جائعة ، تسير بلا هدف ، حتى وجدت نفسها في مكان خراب ، تأوي إليه الكلاب ، وهناك بدأت حياة أخرى
... الكلاب كانت أكثر رحمة من البشر ، إحتضنتها ، ودفّأتها ، وتقاسمت معها بقايا الطعام ، وقبلت بها فردًا من القطيع ، ومع مرور الأيام ، أصبحت (أوكسانا) تسير على أطرافها الأربعة مثلهم ، وتنبح بدلًا من أن تتكلم ، وتعيش كواحدة من الكلاب
... مر عليها خمس سنوات كاملة على ذلك المنوال ، دون لمسة إنسان ، ودون كلمة حب ، حتى دون وجه بشري يُشعرها بأنها تنتمي لهذا العالم الإنساني
... وفي عمر الثامنة ، لاحظ بعض الجيران وجود طفلة تسير كالحيوانات ، تُصدر أصواتًا غريبة ، وتلعق يديها ، فأبلغوا السلطات ، واقتربوا منها ، لكنها لم تفهمهم ، بل زمجرت ورفضت الإبتعاد عن (عائلتها الكلابية) ، التي عرفتها 
... تم نقلها إلى دار للرعاية ، وهناك بدأت رحلة طويلة من العلاج النفسي والسلوكي ، لم تكن تعرف كيف تجلس على كرسي ، أو تمسك ملعقة ، أو حتى تنطق بكلمة بشرية ، علّموها كيف تتكلم ، كيف تأكل ، كيف تبتسم ، لكنها لم تبتسم يومًا مثل الأطفال الآخرين
... قال الأطباء (ما ضاع من طفولتها لا يمكن إستعادته ، لقد تضرّر نسيج إنسانيتها في العمق)
... ومع مرور الوقت ، إستطاعت (أوكسانا) أن تتعلم المشي والكلام ، لكنها لم تستطع يومًا أن تمحو آثار النباح من ذاكرتها
... اليوم ، تعيش (أوكسانا) في مركز رعاية خاص ، وتعمل في مزرعة للحيوانات ، وكأنها عادت إلى عالمها الأول 
... وعندما سُئلت ذات مرة ، (من هي عائلتك الحقيقية ؟!) ، أجابت بهدوء مؤلم ، (الكلاب ، هم من ربّوني ، هم من إحتضنوني ،
ليست مجرد قصة غريبة بل جرح عميق في وجه الإنسانية ، أن يُحرم الطفل من الحب فى سنواته الأولى ، هو كمن يحرم من حقّه في أن يكون إنسانًا ، وأن تكون الحيوانات أكثر رحمة من البشر ، فذاك ليس عيبًا فيها ، بل كارثة في قلوبنا
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

مَجازِرُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فِي ضَوْءِ تَعَارُضِ المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ بقلم فُؤاد زاديكي

مَجازِرُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فِي ضَوْءِ تَعَارُضِ المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ لِلباحِثِ فُؤاد زاديكي يُثِيرُ...