السبت، 6 سبتمبر 2025

فلسفة الحياة «(6)» بقلم علوي القاضي .

«(6)» فلسفة الحياة «(6)»
       د/علوي القاضي .
... هناك من تتسم فلسفته في الحياة بـ (الجشع) ، وهو يؤمن بالمثل القائل (الكفن بلا جيوب) ، تلك الحكمة عظيمة لمن يعيشها بعقل واع 
... وللجشع صور مختلفة في كل مناحي حياتنا ، في عصرنا يتمتع الناس بدرجة عالية من الجشع الذي يثير ذهولنا إذا أدركنا حجمه الحقيقي ، ومع ذلك يرفعون شعار (الزهد والرضا بما قسمه الله لهم) ،تلك (شيزوفرينيا) ، رغم مايتشدقون به بأن الكفن بلا جيوب  
... وتجلت صور الجشع الممزوج بالزهد ، عندما دخلت زميلتنا عند الخزينة ، ووقعت على كشف الرواتب في إشمئزاز وهي تردد ، (مال حرام كله ، والله لم نعمل بربع هذا المبلغ ، فنحن نأتي العمل ونظل نتكلم بالغيبة والنميمة ، ونجهز طعام منزلنا ، ولا نعمل شيئا مقابل مرتبنا !) ، نظر لها الصراف مندهشا ، فلم يسمع قط موظفًة تدلي بهذا الإعتراف ، لكن الزميلة واصلت الإشمئزاز الممزوج بالزهد وقالت (كله مال حرام لا نستحقه !) ، الغريب أنها كانت تقول هذا وهي تعد الأوراق المالية بشغف ودقة ، ثم قالت : (هناك جنيها ناقصا !) ، ناولها الصراف الجنيه ، فتفحصته بعناية ثم أعلنت أنه تالف ، وتريد أن تستبدله ، هكذا أدركت أنها سيدة زاهدة ظاهريا ومتعففة عن متاع الدنيا ، وفي الحقيقة حريصة على المال
... ومن صور الجشع ما نقرأه في الإعلانات ويكشف لنا كمية الجشع في النفس البشرية  
... إعلان في عمود (أريد عريسا) ، قرأت نداءا من إمرأة أرملة تريد رجلًا يتزوجها وينفق عليها هي وإبنها ويشتري لها شقة !) ، والعجيب أن الإعلان لا يشمل أي وعود منها ، ولا أي تلميح عن أشياء خارقة للعادة تنتظر هذا العريس ، حتي لو كانت (ملكة جمال العالم) ، فلا يوجد مبرر لذلك ، غير الجشع 
... وهناك صور أخري للجشع تتمثل في سوق العقارات ، أحدهم كان لديه قطعة أرض يرتفع ثمنها دوما ، والنتيجة أنه أحجم عن بيعها لأنه يشعر أنه سيكون أحمق لو تعجل في بيعها ، لأن سعرها سوف يرتفع أكثر ، هكذا إنتظر ، وهكذا تحمل فترات صعبة وقاسية ماديًا 
... كل الناس أو معظمهم يعانون من مشكلة الجشع ، تجد الرجل مفلسا تمامًا وأن ما يملكه من مال يتمثل في شقة أو قطعة أرض ، لا ينعم بما يملكه أبدًا إنما ينتظر فرصة أفضل ، لذلك فهو دائما مذعور وقلق 
... صديق يمتلك أرضًا شاسعة ، ورغم ذلك كان أثاث بيته قديما ومهشمًا ، والطلاء تغير لونه ، وكان طعامه شحيحا جدًا ، لأنه لا يملك جنيها ، ودائما في ضائقة مالية مزمنة ! ، رغم ما عنده من أملاك ، ولكن مشكلته أنه لا يجرؤ على بيع أي منها طمعا في إرتفاع سعرها ، فلديه فكرة مبهمة عن يوم يبيع فيه أرضه ويصير فيه ثريًا وينعم بما إدخره ، لكن هذا اليوم لم ولن يأتي أبدًا ، لأنه صار مكبلًا بـ (الجشع) ، ولن يتحرر أبدًا منه إلا وهو في القبر ، و لن ينتفع بهذا المال سوى الورثة 
... ومن صور الجشع ذلك المحامي الفرنسي الذي طمع في سيّدة فرنسيّة تُدعى (جين) ، التي بلغت من العمر تسعين عامًا ، وفقدت زوجها ، وإبنتها ، وحفيدها ، وأصبحت وحيدةً في شقّتها ، وكان دخلها ضئيلاً ، ورأى المحامي أنها فرصةً للربح ، فعَرض عليها أن يمنحها مبلغًا شهريًا ثابتًا ، على أن تؤول (الشقّة) إليه بعد وفاتها ، ولأن المحامي (جشع) إعتقد أنّ إمرأةً في مثل عُمرها لن تُعمّر طويلاً ، وحسب أنه سيظفر بالشقّة سريعًا وبثمن بخس ، لكن لأن الأعمار بيد الله إذ مدَّ الله في عمر (جين) حتى بلغت مائة وإثنين وعشرين عامًا ! بينما المحامي نفسُه رحل قبلها ، تاركًا لها ما كان يدفعه طيلة ثلاثين سنة أضعاف ثمن الشقّة ، وفي النهاية لم يَنَل شيئًا
... قد يظنّ الإنسان أن الجشع يحفظ له المكاسب ، غير أنّ الرِّزق بيد الله ، يُقسّمه كما يشاء ، وقد يجعل من تدبيرك لغيرك رِزقًا له ، ومن طمعك وجشعك حسرةً عليك
... الجشع ، عاطفة تسيطر على الجميع ، برغم أننا لا نكف عن الكلام عن القناعة ، وعن الكفن الذي لاجيوب فيه
... كلنا مصابون بالشيزوفرينيا 
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أحملُ قلبي بين يديَّ بقلم شمس البارودي

أحملُ قلبي بين يديَّ لا جسدٌ لي غيرُ هذا الضوء ولا دفءَ لي غيرُ هذا النبض أنا شفافٌ كالحقيقة باردٌ كزمنٍ بلا ملامح لكن قلبي… أحمرُ كاعترافٍ ...