في الوقت الذي انتظمنا فيه بصف واحد أمام المطعم بحسب ما طلب منا الرائد - إذ يعالج مشكلة إضرابنا عن الطعام - فإنه عاد ثانية و طلب منا الرائد أن نصطف أصحاب الشهادات في جهة، و من ليست لديه شهادة تعليمية في جهة ثانية
ثم توجه إلينا الرائد نحن أصحاب الشهادات بخطاب مفعم بتهديد و وعيد، باعتبارنا على وعي و ثقافة ولا يصح أن يصدر عنا سلوكا كهذا
لكن ثمة خلل في ثقافة الرائد هذا باعتباره عقلية عسكرية وضعية خلت من أدب و منطق، فهو لا يحسن ولا يتقن لباقة الحديث ولا يفقه شيئا من دبلوماسية الكلام، ولا يكاد يستوعب ألمعية الفكر لدى طبقة مثقفة يخاطبها
أساء الرائد إسكندر الأدب و هو يخاطبنا إذ وصفنا ببلاهة و غباء، متسائلا كيف يتجرأ أحدنا على تمرد في ثكنة عسكرية و كلنا يعلم أن عملا كهذا نتائجه وخيمة
و ليته سألنا الرائد - قبل أن يتبجح بكلماته تلك - عن سبب إضرابنا هذا، لكن العقلية العسكرية المتسلطة لا تفقه ولا تجيد لغة الحوار
بلهجة صارمة حادة توعدنا - الرائد - بمحاسبة شديدة عما اقترفت أيدينا، و أنه سيعرف لاحقا أولئك الذين حرضوا على هذا العصيان و سيبلغ الشرطة العسكرية عنهم كل واحد باسمه
كان الرائد إسكندر خلال حديثه ذاك يرمقني بنظرات مريبة ولا يكاد يصرف نظره عني حتى يعود ثانية إلي بنظرات حادة، فكان بذلك يبعث في نفسي جملة من المخاوف التي تضطرب معها نفسي
إنه هو هو الرائد الذي طلب مني يوم وصلت الفوج أن أحلق لحيتي و لم أفعل، و ربما خبأها لي فهو ينتظر لحظة مناسبة كي ينقض علي و يلبسني تهمة لم أكن بطلا لها
و لقد رأيتني خلال حديث الرائد و نظراته تلك، أراجع نفسي ما إذا كنت قد ساهمت في تلك المعمعة داخل المطعم أو أن أحدهم لمح مني سلوكا اقترفته يداي دونما انتباه مني
صحيح أنني كنت متوازنا بحق خلال فترة وجودي في الفوج بحيث لا يمكن لأحد أن يتهمني بشيء، و لكن ذلك لا يمنع أن ينبري أحدهم متهما إياي بفعل لم أفعله و ذلك حرصا منه على إرضاء مشغلييه، عدا عن وجود أناس ينامون و يستيقظون على غل دفين في دواخلهم
- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا
إشراقة شمس 116
*****
ما أطعت الله فيكم
و الآن ما هي مطالبكم ؟ بهذا السؤال ختم الرائد إسكندر تهديده و وعيده لنا، باعتبار أن إضرابنا عن الطعام كان - حسب قوله - بمثابة تمرد في ثكنة عسكرية
الرائد إسكندر مثله مثل القيادة السورية كلها - آنذاك - جعلت منه رائدا لا يفقه شيئا من القيادة سوى التهديد و الوعيد، فهو لا يعرف القيادة بالحسنى، ولا يعرف كيف يختار ألفاظه مع جنوده بحيث يمنحهم طاقة إيجابية تجعل منهم رجالا أفذاذا، ولا يعرف كيف يلقنهم القيم السامية التي تجعل منهم رجالا عظماء.
لغة التهديد و الوعيد كانت قد أخذت مجراها بين صفوف الجنود حينئذ، لذا لم يعد ثمة من يتكلم أو يجيب على سؤال الرائد
و حين أعاد الرائد السؤال رفع سمير يده ليأذن له ضابطنا هذا بالكلام، و - بلهجة الآمر - قال لسمير: أنت تفضل، و قدم اسمك و رتبتك
[ سمير هذا هو من "محافظة الحسكة" و من الأخوة الآشور، و حاله توحي للوهلة الأولى بصرامة و شدة، لكنه على الحقيقة تجده وديعا، مهذبا و مثقفا بثقافة إنسانية عالية ]
[ للمرة الأولى التي شاهدت فيها سميرا هذا تبادرت إلى ذهني صورة بسمارك السياسي الألماني فهو يشبهه تماما من حيث صرامة وجهه و ذاك الشنب المعكوف ذي اللون الأشقر المائل إلى حمرة ]
بكل هدوء و ثقة، و من مكانه الذي هو فيه، قال سمير: سيادة الرائد، كما تعلم أن قيادتنا الحكيمة في الآونة الأخيرة منعت كافة العناصر من مغادرة هذا الفوج، و نحن عناصر مطعمة ليس لنا من طعام سوى ما يقدمه لنا المطعم، و كنا قبل قرار القيادة هذا، نغادر الفوج و ندع طعامنا لغيرنا حيث يتحلق حول الطاولة الواحدة عنصران فقط بدل ثمانية و كان الطعام في هذه الحالة مهما سرق منه كاف لهذين العنصرين على الطاولة الواحدة، و الآن و بعد أن غدونا نتحلق ثمانية حول الطاولة لم يعد الطعام كاف و بتنا نتقاتل حول الحصص!!
و ها قد مضى أسبوعا كاملا على هذه الحال
سمع الرائد كلام سمير، و أطرق في الأرض يفكر، ثم رفع رأسه و قال: تمام .. و لكن هل كنتم عاجزين عن إرسال من يتكلم باسمكم عندي ؟!
قال سمير: سيادة الرائد، و هل يعقل و أنت ضابط أمن الفوج أن خفي عنكم هذا الأمر ؟!
امتعض الرائد من كلمات سمير هذه و حدق فيه مليا
- و كتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق