قال لي رفيق السفر - و أنا أقص عليه مشكلة استدعائي إلى نقطة المراقبة التابعة للشرطة العسكرية - قال: و إذن كان ختام تلك المشكلة مسك و الحمد لله، و لكن من ذاك الذي اختبأ وراء باب المهجع قبل أن يأذن له صديقك أحمد بالدخول ؟!
قلت: إنه أخي، و قد اتفقا هو و صديقي أن تكون لي مفاجأة، و بالذات حين لاحظ صديقي مقدار التوتر الذي كنت عليه جراء استدعائي إلى نقطة المراقبة، عندها قرر بطريقة الدعابة أن يخفف عني غلواء نفسي، و أن يحول المشهد إلى حركة تمثيلية لطيفة
كان حرماني من الإجازات خلال مدة وجودي في الفوج سببا ل غم و حزن ضامر يلازم قلب أمي، فيما كان أبي يخفي لواعج نفسه كي لا تزداد أمي غما على غم
و كان أبي و أمي كلاهما يبحث عن طريقة يتنسم خلالها أخباري [ كان تديني هو سبب حرماني من الإجازات، فالسادة الضباط أبناء الطائفة الحاكمة تراهم يفضلون أن أظل بين يدي رقابتهم ليل نهار - مع أن تديني قد خلا من غلو و شطط، فالهدوء طبعي، و ما كان في سمتي و مسلكي ما يخيف و يرعب ]
كنت أنا و أخي الأكبر كلانا في الخدمة الإلزامية، و كان أخي بطريقة أو بأخرى يحصل من وحدته العسكرية على إجازات يتوجه خلالها إلى حلب، و في واحدة من إجازاته طلبت منه أمي أن يزورني في مكان خدمتي لمعرفة أخباري و أحوالي عسى في ذلك ما يثلج الصدر و في ذات الوقت يحمل لي طعاما من طبخ يدها [ كان ذلك سببا لتعكير صفو حياتي بعد أن اعتدت و تأقلمت مع طعام الجيش غير المستساغ ]
كان أخي يخدم الجيش في /دير علي/ التابعة لمنطقة الكسوة من ريف دمشق، بينما كنت أنا أخدم الجيش بالقرب من عدرا، أي في الجهة الشرقية من ريف دمشق، أي أن المسافات بيننا كانت متباعدة من حيث المكان لكنها غير متباعدة من حيث الأرواح
عند نقطة التفتيش التابعة للشرطة العسكرية سأل العنصر أخي عن وجهته فأخبره، فطلب منه أن ينتظر ريثما يتم استدعائي إلى النقطة
و عند ذاك طلبت من صديقي أحمد التوجه إلى نقطة المراقبة يستطلع حقيقة الأمر، فإذا به يعود محملا ببشائر خير لي
و كان اللقاء بيني و بين أخي مفعما بنظرات كسيرة، حسيرة، مهيضة الجناح - ذلك أنني كنت شبه سجين بين يدي دولتنا العتية -
- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا
إشراقة شمس 124
*****
لست من أولئك
ما كنت أتوقع أن تكون فرحة اللقاء متوهجة بهذا الشكل و هذا البريق! لكنني أيقنت حقيقة ذلك حين التقيت أخي الذي زارني في مهجعي أو زنزانتي أو سمها بما شئت، و أنا الرابض في هذا الفوج الذي أمضي به خدمتي العسكرية ممنوعا من مغادرته بحكم لحيتي و تديني الذي كان يشكل عامل قلق للسادة الضباط من أبناء الطائفة الحاكمة. كيف لا و أبناء حلب يومها كلهم - بلا استثناء - باتوا يقلمون مخالب النظام الحاكم و يقتلعون أنيابه - ذلك زمن الحراك الشعبي الديني الأول في نهاية العقد السابع من القرن المنصرم -
في سياق حديثنا في ذلك اللقاء، قال لي أخي: أمك و أبيك يكتمون لك شوقا عظيما و يتوقون إلى معرفة أخبارك و إن دموع أمك تذرف كلما جاء ذكرك
و أردف أخي قائلا متسائلا: لماذا لا تفعل مثل كل الناس و تعرف مفتاح أحد هؤلاء الضباط عندكم و تدفع له قيمة مغادرة الفوج لعدة أيام ؟
قلت له: أولا أنا لست من أولئك الذين يدفعون هكذا دفوعات. و ثانيا: ضباطنا عديمي الضمير، فالواحد منهم يقبض منك و يدعك تغادر الفوج على مسؤوليتك و يتنصل من مسؤوليته عند أدنى مساءلة تكون له؛ و كما تعلم فأنا وضعي مختلف عن سائر الذين يغادرون الفوج بعد دفع المعلوم لأنه من غير المستبعد أن يقوم الذي منحني المغادرة بالإبلاغ عني، و يتم على إثر ذلك إلصاق التهم التي يرونها كافية لتغييبي وراء الشمس
و قلت لأخي بعد أن غمزته بطرف عيني في محاولة مني منعه من استرسال في حديث عواقبه مخيفة بين يدي أولئك الذين باعوا ذممهم و باتوا أعوانا لوحوش مفترسة، قلت له مستشهدا ببيت من شعر كنت أحفظه - و قد علت وجهي ابتسامة ذات مغزى - قلت :
من يحمي ظهرك من ظهرك ؟!
من يحمي ظهرك من وطنك ؟!
من يحمي صدرك من حلم بالعيش كريما أيام ؟!
هو وهم لكن لا تدري، فالموت وراءك و أمامك
فادخل من جلدك في جلدك و توارى خلف الأيام
- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب سورية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق