الجمعة، 24 أبريل 2026

قارب الموت بقلم سهام بنشيخ

سهام بنشيخ
قارب الموت
إجتمع الرفاق باليل في إحدى الشقق التي تطل على البحر لم يتجاوز أكبرهم العشرين عام. قال كبيرهم أحمد:
_ لقد تحصلت على المبلغ كاملا أخيرا.
قال عبد الجليل :
_لقد بعت دراجتي النارية و ساعتي الذهبية بالإضافة إلى المال الذي ادخرته من عملي بالورشة. لكن قلي يا أحمد من أين لك المال و أنت تصرف كل مالك على المخدرات فأنت صاحب مزاج و لا تستغني عن الشم؟
قال ريان :
 _ نعم ، لقد أصاب عبد الجليل ،كل ما تتحصل عليه من عملك في الميناء تصرفه على مزاجك . فمن أين تحصلت على ثلاثين ألف درهم؟
رد أحمد:
_سأخبركما ،لكن بالله عليكما لا تلوماني على ما قد فعلت، فلم أجد مسلكا غيره.
انتفض عبد الجليل من مكانه و وقف منتصبا مقابلا لأحمد و قد اشتط وجهه غضبا و إحمرارا .
لا تخبرني بأنك امتثلت لإغراء حمزة ذلك الذي تلقبونه القرصان و تجارت في هاته الممنوعات.
رد أحمد:
 _ بالفعل ، هذا ما قمت به لأني...
لم يتم كلامه حتى نزلت صفعة قوية على وجهه أفقدته توازنه. استجمع قواه و رد الصفعة إلى صديق طفولته و تشابكت الأيادي و تعالت الأصوات صداها تردد في العمارة التي تتواجد فيها الشقة ،فتوافد السكان و اتجهوا إلى مصدر الصوت ثم طرق أحدهم الباب و اصطف الآخرون وراءه.
سمع الأصدقاء قرعا على الباب فاتجه عبد الجليل صوبه ففتحه، فتفاجأ بصف من البشر تخالطت أصواتهم لم يفهم من كلامهم المبهم شيء. صاح فيهم ثم ذهب مسرعا إلى السلالم مغادرا المكان، بينما اتكأ احمد على أريكة و جال بخياله مستعيدا كل الأحداث. خرج ريان يطمئن الجيران يقول لهم إنه مجرد خلاف بسيط بين الأصدقاء . قال شيخ كبير :
أين أحمد؟
خرج احمد و قبل يد الرجل فقد كان يعرفه منذ ان وعى على الدنيا ثم قال:
كيف حالك عمي إبراهيم؟
رد الشيخ:
_ عرفتك منذ طفولتك عندما كان أبوك يأتي بك لزيارة جدك ، أرجو يا ولدي أن لا تخون ثقة جدك الذي يترك لك شقته لكي تقابل أصدقائك فيها وترعاها.
قال أحمد :
دعنا أولا نتكلم في الداخل تفضل.
قال العجوز لا يا ولدي حسبي ان أقول لك يا ولدي أن الشقة أمانة بين يديك . 
دخلا الصديقين إلى الداخل ثم قال أحمد لريان :
_ أرأيت ما فعل بي عبد الجليل؟
رد عليه ريان:
_ لو لم يكن يعزك لما فعل ذلك.
قال احمد:
_ دعنا منه هيا أخبرني كم ينقصك من المبلغ؟
 _خمسة ألاف درهم. 
_ لا تحمل هما، لدي ثلاث أكياس من الحشيش ،إن تصرفت فيها فلك ثمنها.
  لكن..._
 لا تردد إنها أول و آخر مرة من أجل ان نهاجر إلى اسبانيا . إني تعبت كثيرا هنا، لطالما حلمت بالهجرة، و كم من مرة توسلت إلى جدي كي يصحبني معه إلى مدريد أبى ذلك متحججا أنه لا عمل هناك سوى قطف التوت او الفلاحة و أنه هو لم يهاجر هناك إلا لأنه طبيب كبير شق طريقه بنفسه حتى أصبح يحتكم على مشفى خاص به . و لامني لأني لم اتابع دراستي و اشتغلت في الميناء.
قال ريان:
_ اشتغلت في الميناء لكي تتحين الفرصة و تحقق حلمك بالهجرة. أخبرني هل يعلم عبد الجليل أن القرصان هو المسؤول عن الهجرة الغير الشرعية التي ننوي القيام بها؟
 _ لا، لكنه سيرضخ للواقع و إلا سيضطر إلى التنازل على حلمه بالهجرة و إنقاذ أهله من العيش في بيت جدرانه متآكلة في حي عشوائي. و على كل حال سأصالحه.
و بعد مرور يومين ، إتصل حمزة بأحمد يخبره بان ريان قد اعتقلته الشرطة مساء الامس عندما باغتته و هو يبيع الحشيش لإحدى المساطيل الذين يترددون على إحدى الحانات بالقرب من البحر.حقا صديقك غبي .ألم يجد مكانا إلا هذا ؟الشرطة تتواجد في الاماكن السياحية لا تبارحها ،ألم يجد واحدا من أولائك الذين يتعاطون في الأزقة الملتوية يبيعه الصنف؟ لكن لا تخف لم يذكر إسمينا. أقفل أحمد الهاتف و ذهب مسرعا إلى الجامعة التي يدرس فيها أخو ريان و يطلعه الأمر.
احتجز الغر أربعة أيام على ذمة التحقيق و فاته موعد تحقيق حلمه: الهجرة إلى إسبانيا.
مر يوم واحد، و حان موعد السفر او بالأحرى الهروب إل بلاد الشام ، وعندما جن اليل على الساعة العاشرة ،كان حمزة بجانب القارب الصغير الذي سيحمل العشرات من المهاجرين فهو الذي سينقلهم إلى الضفة الثانية.
ركب عبد الجليل و أحمد القارب مع الباقي في زحام لولا هواء البحر لكتم أنفاسهم، و عندما توغل القارب إلى داخل البحر و لم يبقى على الضفة الثانية إلا كيلومتر واحد قال حمزة للجميع:
لا يمكن أن أتقدم أكثر من هذا إلى الشاطئ، ستداهمنا الشرطة .
قال عبد الجليل:
ماذا تريد أن تقول ؟
_ ستكملون المسيرة سباحة، فأنا سأعود بقاربي. صاح الجميع:
_ لم يكن هذا اتفاقنا!
هددهم حمزة وقال لهم:
_ليس لديكم بديل، لقد عقدت اتفاقا مع أحد الرفاق ،إذا لم أعد في موعدي سيبلغ الشرطة عنا جميعا. رضخ الجميع للواقع و نزلوا البحر و شرعوا في السباحة فمنهم من استطاع ان يصل إلى الضفة الأخرى رغم قساوة الجوعلى رأسهم عبد الجليل، أما الباقي فقد غرقوا و كانوا غنيمة لتجار أعضاء البشر الذين كانوا في عرض البحر بسفينتهم العملاقة ينتظرون طفو الجثث على سطح البحر ليتسلموا الضحايا و يسلمونها للطبيب المتقاعد الذي أصبح يستثمر في البشر و كان إحدى ضحاياه حفيده أحمد. 
عندما بدأ الجد يتفقد الجثث في المستشفى الخاصة به مستبشرا، وقعت عيناه على جثة حفيده و سقط ميتا إثر نوبة قلبية من الصدمة.

بقلمي سهام بنشيخ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

قارب الموت بقلم سهام بنشيخ

سهام بنشيخ قارب الموت إجتمع الرفاق باليل في إحدى الشقق التي تطل على البحر لم يتجاوز أكبرهم العشرين عام. قال كبيرهم أحمد: _ لقد تحصلت على الم...