الأربعاء، 22 أبريل 2026

زوايا النسيان بقلم طواهري امحمد

زوايا النسيان 

بين غياب يملاء القلب صمتا لطيف وهمس يأبى الا ان يكون حرفا ناطق وصوتا ،إلى الغرباء في مدن الذاكرة المنسية، الذين لا يعرفون كيف يخربشون و يرسمون ملامح ابتسامة، ولا يعرفون كيف يفتحون قلوبهم دون أن يجرحهم ذالك الألم، هؤلاء الذين يختفون دون أن يتركوا بصمة، وتمحو خطواتهم الرياح قبل أن يمسك بهم تراب الأرض، يتحولون إلى صدى على حافة الوادي، مثل أوراق شجر ذابلة في فصل الخريف.
إلى التائهين في شوارع الوحدة الباردة، ساكنين داخل اعماق نفوسهم في لحاف الأدب ، تقتات عليهم افواه الأحزان يجمعون ما تبقى من أوراق الضياع المبعثرة في حقول الليل، بعدما خذلهم الحلم، وتآمرت ضدهم الأبواب المغلقة .
يا وجوه المرايا المحطمة التى لا تحسن رؤية وجوه ملامحهم المنكسرة في المرأة ،يا صدى الأسماء التي لم تذكر، كيف حالكم اليوم؟ نسيتكم الأيام، وعبرت بكم الحياة كريح عاصفة، وتجمدتم عند مفترق الطرق، وفقدتم بواصلة الاتجاهات، وأصبحتم كلمة في قاموس أوراق النسيان مخفي في ادراج الليالي .
أيها المنسيون في سجلات الغياب، المشطوبون من قوائم الوجود، يا من لا تزينون قصائد الحب، ولا تملكون صوتًا يُردد صداه، أنتم القصيدة المفقودة التى لم تقرا بعد، والكلمات التي لم تُكتب و حروف المعاني التى لم تنطق و تقال بعد.
تحية إليكم، أنتم الذين لا تحسنون الرقص في الحفلات ولا ترتدون الأقنعة، ولا تملكون ما يكفي من الأيدي القوية لحمل كأس الفرح، يا من تغرقون في البحر ولا تتركون أثرًا للوداع ولا ترتحون على ضفة النفاق ولا ساحل التعري من الأخلاق .
تمشون على الهامش وكأنكم هامشٌ مكتوبٌ على هامشٍ آخر، يا من تُغلق أبواب الحكايات قبل أن تدخلوا إليها، وتشطب فهارس أمانيكم من ذاكرة الكتب، كيف السبيل إلى عنوان؟
تحية إليكم جميعًا، يا من أضاعكم الطريق وضاع معكم الانس وضاع بكم وقت الأزمنة، يا شتاتَ النجوم المنطفئة، يا صمتَ الأغنيات الموءدة المؤجلة، يا صرخةً بلا أُذن، وخطوةً بلا أثر، تحيةٌ حرة من رحم الحرية.
ايتها الارواح المتألفة فقد عبرتم عتبة قلبي ذات أمس ، لازالت عطوركم تملاء نوافذ و شرفة نفسي ، أصبحت رسومات على جدراني منقوشة قصص و حكايات مثل لوحة فنية تتزين بالألوان يعطرها الحسن والجمال بريشة فنان محترف ، انتما الفصل الذي لايزال لم يظهر من ذالك الزمن العتيق ، تحتاج الى قوة ساعد يكتب وقلب يمشي حافيا وعقل يتسكع و يلوح اليكم ، حيث الحنين يعانق مع الرياح شقوق الأبواب .
تحية إلى هؤلاء الذين أهملوا على أطراف الأفئدة ، إلى العابرين في دروب ملامح الذاكرة الباهتة، الذين لا يجيدون فنون المراوغة ولا يعرفون أساليب البهتان يعيشون بملامح واحدة طول العمر مثل بساط فراش يبلى على جهة واحدة، ولا يعرفون كيف يلقون التحية دون أن يخنقهم الحياء و الخجل.
هؤلاء الذين يغادرون دون أن يتركوا أثرًا، وتمحوهم الظلال قبل أن يمسك بهم الضوء القادم من الشمس، يختفوا من ايامنا على غفلة، يرحلون بدون ضجيج او ضوضاء يرحلون بهدوء من بيننا ومن عالمنا في سلام .
كنا نظن أن أيام العمر تمتد طويلاً، حتى اكتشفنا أنها أقصر من اللحظات. والأماكن تظل ثابتة، لكنها لا تدوم إلا لأهلها. الزمان لا يعرف الركود... حتى إن عدنا، سنجد الأشياء قد تبدلت، والنغمات تغيرت ألحانها، والوجوه صارت غريبة رغم عهدنا بها. نمضي في الدروب العتيقة، لكنها لا تحتضن خطواتنا كما كانت... وكأنها تناست أسماءنا وروايات حكاياتنا.
نبحث عن أنفسنا في الذكريات فلا نجدها، كأن الغياب محا حتى بصمتنا وملامحنا البائدة. نبتسم للأيام الخوالي، لكنها لا تبتسم لنا، وكأنها تعاتبنا على خطأ لم نقترفه، ربما هو توبيخ البعد والاغتراب والفراق. كل شيء يبدو مألوفًا من بعيد، لكنه موحش من داخل عند الاقتراب... صرنا غرباء عن ديارنا القديمة وعن أنفسنا أكثر فأكثر. فإذا كان للعودة بعد الغياب ثمن، فهو فقدان الشعور بالانتماء، وذلك أشد أنواع الغربة.

بقلم الأديب طواهري امحمد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

قلم لا يخون بقلم فتحية المسعودي

قلم لا يخون                        كثرة التعليقات ضجيج يغطي على صوت بكاء طفل بريء تعب من واقعه المرير.   القلوب الحمراء تسطيح للمأساة، وتحوي...