الأحد، 26 أبريل 2026

هَل تَسمية مُضيق هرمز آشوريّة ام فارِسيّة بقلم فؤاد زاديكي

هَل تَسمية مُضيق هرمز آشوريّة ام فارِسيّة؟

بقلم: الباحث فؤاد زاديكي

تتبع تسمية مضيق هرمز مسارًا تاريخيًا ولغويًا طويلًا، يكشف عند تفكيكه أنّ الاسم ليس وليد لحظة جغرافية عابرة، بل حصيلة تراكمات دينية وسياسية وثقافية امتدّت لأكثر من ألفين وخمسمئة عام. وعند النظر في جذور الاسم، تتقدّم الفرضية الفارسية بثبات على غيرها¹، بينما تتراجع الفرضية الآشورية لغياب أيّ سند لغوي أو نصّي يدعمها²، رغم انتشارها في بعض الأوساط المعاصرة.
يبدأ الخيط الأول من الاسم في العصر الأخميني، حيث كان الإله الأعلى في الزرادشتية يُدعى أهورامزدا³، وهو الاسم الذي سيخضع لاحقًا لتحوّلات صوتية طبيعية داخل الفارسية الوسطى. ففي العصر البارثي ظهرت صيغة هرمزد⁴، ثم في العصر الساساني اختُزلت أكثر لتصبح هرمز⁵، وهي الصيغة التي ستستقر لاحقًا في العربية والفارسية معًا. هذا التطوّر الصوتي موثّق في النقوش البهلوية وفي أسماء عدد من الملوك الساسانيين الذين حملوا اسم هرمز⁶، ما يجعل التحوّل من أهورامزدا إلى هرمز مسارًا لغويًا واضحًا لا يحتاج إلى افتراضات إضافية.
ومع دخول الإسلام إلى المنطقة، انتقل الاسم من المجال الديني إلى الجغرافي. فقد ذكر الجغرافيون المسلمون جزيرة هرمز ومدينة هرمز بصيغ قريبة جدًا من اللفظ الساساني⁷، ثم جاءت مملكة هرمز البحرية في القرون الوسطى لتمنح الاسم حضورًا سياسيًا وتجاريًا واسعًا⁸، ما جعله ينتقل إلى الخرائط الأوروبية بصيغ مثل Ormus وHormuz⁹. وهكذا أصبح الاسم علامة جغرافية راسخة، لا علاقة لها بالآلهة القديمة إلّا من حيث الأصل اللغوي الأول.
في المقابل، لا تقدّم اللغة الأكادية، وهي لغة الآشوريين والبابليين، أي جذر أو صيغة يمكن أن يُشتق منها اسم “هرمز”¹⁰. فلا تظهر في النصوص الآشورية أسماء قريبة من هذا اللفظ¹¹، ولا تحتوي الأكادية على بنية صوتية تسمح بتوليد مقطع “هرمز” أو “هورموز” وفق قواعدها المعروفة¹². كما أنّ الآشوريين، رغم نفوذهم التجاري في الخليج، لم يطلقوا أسماء على المضائق أو المسطحات البحرية الصغيرة¹³، بل كانوا يذكرون الممالك والمدن الكبرى فقط. لذلك فإنّ الربط بين الاسم والآشوريين يقوم على تشابه صوتي عابر لا يرقى إلى مستوى الدليل¹⁴، ولا يستند إلى أي نقش أو وثيقة.
ومع ذلك، انتشرت الفرضية الآشورية في بعض الأوساط الحديثة لأسباب متعدّدة، منها الرغبة في إرجاع أسماء الخليج إلى حضارات أقدم¹⁵، أو الخلط بين النفوذ الآشوري القديم في المنطقة وبين تسمية المواقع الجغرافية¹⁶، أو الاعتماد على تشابهات صوتية لا قيمة اشتقاقية لها¹⁷. كما ساهم غياب الاطلاع على التطور الصوتي الفارسي في جعل الفرضية الفارسية تبدو أقلّ وضوحًا لمن لا يعرف مسار تحوّل أهورامزدا إلى هرمز¹⁸. وعند جمع الأدلة كلّها، يتبيّن أنّ اسم مضيق هرمز ذو أصل فارسي–زرادشتي واضح، تطوّر عبر مراحل لغوية موثّقة¹⁹، ثم اكتسب بُعدًا جغرافيًا وسياسيًا مع مملكة هرمز البحرية²⁰، قبل أن يستقر في صورته الحالية. أمّا الفرضية الآشورية فتبقى بلا سند لغوي أو تاريخي²¹، وتعتمد على الظنّ أكثر من اعتمادها على النصوص أو النقوش. هكذا يتّضح أنّ التسمية فارسية الجذر، تاريخية الامتداد، وجغرافية الاستقرار، بينما لا تمتلك الفرضية الآشورية ما ينهض بها إلى مستوى الاحتمال العلمي.
---
الهوامش
1. انظر الدراسات الإيرانية حول تطوّر الأسماء الدينية في الفارسية الوسطى.

2. غياب أي ذكر للاسم في السجلات الآشورية المكتشفة حتى اليوم.

3. النقوش الأخمينية في بيستون وبارسه.

4. النقوش البارثية التي تُظهر اختزال الاسم.

5. النقوش الساسانية في نقش رستم وفيروزآباد.

6. أسماء الملوك الساسانيين: هرمز الأول، الثاني، الثالث.

7. الاصطخري، المسالك والممالك؛ ابن حوقل، صورة الأرض.

8. المصادر البرتغالية والعربية حول مملكة هرمز البحرية.

9. الخرائط الأوروبية في القرنين 15–17.

10. القواميس الأكادية القياسية (CAD – Chicago Assyrian Dictionary).

11. سجلات الملوك الآشوريين من شلمنصر إلى آشوربانيبال.

12. قواعد البنية الصوتية في الأكادية (von Soden, Huehnergard).

13. النقوش الآشورية تذكر دلمون ومجان فقط دون تسمية مضائق.

14. التشابه الصوتي لا يُعد دليلًا اشتقاقيًا في علم اللغة التاريخي.

15. اتجاهات قومية حديثة تربط الخليج ببلاد الرافدين.

16. الخلط بين النفوذ السياسي والتسمية الجغرافية.

17. غياب منهج المقارنة اللغوية العلمية.

18. عدم معرفة التحوّلات الصوتية من Ahura Mazda إلى Hormuz.

19. توثيق التحوّل في البهلوية والفارسية الوسطى.

20. الدور السياسي لمملكة هرمز في تثبيت الاسم.

21. عدم وجود أي نقش أو وثيقة آشورية تحمل اسمًا قريبًا من “هرمز”.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

هَل تَسمية مُضيق هرمز آشوريّة ام فارِسيّة بقلم فؤاد زاديكي

هَل تَسمية مُضيق هرمز آشوريّة ام فارِسيّة؟ بقلم: الباحث فؤاد زاديكي تتبع تسمية مضيق هرمز مسارًا تاريخيًا ولغويًا طويلًا، يكشف عند تفكيكه أنّ...