الجمعة، 8 مايو 2026

مُلْحَقُ طُفُولَتِنَا (٧) بِقَلَمِ فُؤَادِ زَادِيكِي

من كتابي هوامش (سيرة ذاتية)

مُلْحَقُ طُفُولَتِنَا (٧)
بِقَلَمِ: فُؤَادِ زَادِيكِي

فِي الْخَامِسَةِ مِنْ عُمْرِي، كَمَا كَانَ يُرَدِّدُ أَبِي گَبْرُو إِلْيَاسُ حَنَّا زَادِيكِي وَأُمِّي حَانَةُ قُرْيَاقُسْ صَلِيبَا يُونُو جُمْعَة آدم، كَانَتْ طُفُولَتِي تَتَفَتَّحُ عَلَى مَهَلٍ فِي قَرْيَةِ بَرَّهْ بَيْت، قُرْبَ خَانِ يُونُس، حَيْثُ كَانَتِ الْأَيَّامُ بَسِيطَةً كَخُبْزِ التَّنُّورِ، وَصَافِيَةً كَسَمَاءٍ لَا تَعْرِفُ الْغَيْمَ. هُنَاكَ، فِي ذَلِكَ الرُّكْنِ الْمَنْسِيِّ مِنَ الْعَالَمِ، بَدَأَتْ أُولَى حِكَايَاتِي مَعَ الْحُبِّ… حُبٌّ صَغِيرٌ، بَرِيءٌ، لَكِنَّهُ عَمِيقٌ بِمَا يَكْفِي لِيَتْرُكَ أَثَرًا لَا يُمْحَى.
كَانَ لِي كَلْبٌ صَغِيرٌ، مَنَحْتُهُ اسْمَ «مَرْجَان»، وَكَأَنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُلْبِسَهُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ شَيْئًا مِنَ النُّدْرَةِ وَالْجَمَالِ. لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ حَيَوَانٍ أَلِيفٍ، بَلْ كَانَ رَفِيقَ أَيَّامِي، وَظِلِّي الَّذِي لَا يُفَارِقُنِي. كُنَّا نَرْكُضُ مَعًا فِي أَطْرَافِ الْقَرْيَةِ، نَتُوهُ بَيْنَ الْحُقُولِ وَالْبَرَارِي، نُلَاحِقُ الرِّيحَ وَنَضْحَكُ بِلَا سَبَبٍ، وَكَأَنَّ الْعَالَمَ خُلِقَ لَنَا وَحْدَنَا. كَانَ يَفْهَمُنِي دُونَ كَلَامٍ، وَأَفْهَمُهُ دُونَ شَرْحٍ، وَكَانَتْ بَيْنَنَا لُغَةٌ خَفِيَّةٌ لَا يُدْرِكُهَا الْكِبَارُ.
كُلَّ صَبَاحٍ، كُنْتُ أُوقِظُهُ بِحَمَاسِ طِفْلٍ لَا يَعْرِفُ التَّعَبَ، فَنَنْطَلِقُ نَحْوَ «الْچُول»؛ تِلْكَ السَّاحَةُ الْوَاسِعَةُ الَّتِي تَحْتَضِنُ أَحْلَامَ الصِّغَارِ، قُرْبَ بَيَادِرِ الْقَرْيَةِ، حَيْثُ تَخْتَلِطُ رَائِحَةُ التُّرَابِ بِالشَّمْسِ، وَتُولَدُ الْحِكَايَاتُ مِنْ لَا شَيْءٍ. هُنَاكَ، كُنْتُ أَشْعُرُ أَنِّي أَمْلِكُ الدُّنْيَا، وَأَنَّ مَرْجَانَ هُوَ كَنْزِي الْوَحِيدُ الَّذِي لَا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ.
لَكِنَّ الطُّفُولَةَ، رَغْمَ بَرَاءَتِهَا، لَا تَعْصِمُ صَاحِبَهَا مِنَ الْفَقْدِ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، عُدْتُ إِلَى الْبَيْتِ بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ اللَّعِبِ قُرْبَ «الْچَمّ»، ذَلِكَ الْمَجْرَى الْمَائِيِّ الَّذِي يَشُقُّ الْقَرْيَةَ كَحِكَايَةٍ قَدِيمَةٍ، يَنْسَابُ مِنْ قَرْيَةِ قَصْرِ دِيب، حَامِلًا مَعَهُ هَمَسَاتِ الْأَرْضِ وَذِكْرَيَاتِ الْمَاءِ. كُنْتُ مُتْعَبًا، سَعِيدًا، أَبْحَثُ بِعَيْنَيَّ عَنْ مَرْجَانَ كَعَادَتِي… لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ.
سَأَلْتُ أُمِّي، بِصَوْتٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْقَلَقَ بَعْدُ. نَظَرَتْ إِلَيَّ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتْ بِهُدُوءٍ قَاسٍ:
«مَرْجَانُ مَاتَ.»
سَقَطَتِ الْكَلِمَةُ عَلَيَّ كَصَاعِقَةٍ. لَمْ أَفْهَمْهَا تَمَامًا، لَكِنِّي شَعَرْتُ بِثِقَلِهَا يَخْتَرِقُ صَدْرِي. كَيْفَ يَمُوتُ؟ أَيْنَ يَذْهَبُ؟ وَلِمَاذَا؟ كَانَتْ أَسْئِلَةً أَكْبَرَ مِنْ طِفْلٍ فِي الْخَامِسَةِ، لَكِنَّهَا اشْتَعَلَتْ دَاخِلِي دُفْعَةً وَاحِدَةً. بَكَيْتُ، لَا كَطِفْلٍ يَبْكِي لُعْبَةً ضَاعَتْ، بَلْ كَرُوحٍ صَغِيرَةٍ اكْتَشَفَتْ فَجْأَةً أَنَّ الْعَالَمَ لَيْسَ آمِنًا كَمَا كَانَتْ تَظُنُّ.

حَاوَلَتْ أُمِّي أَنْ تُوَاسِيَنِي، أَنْ تَشْرَحَ لِي فَلْسَفَةَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، أَنْ تَقُولَ إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ نِهَايَةً… لَكِنَّ كَلِمَاتِهَا كَانَتْ تَمُرُّ مِنْ فَوْقِ رَأْسِي، كَرِيحٍ لَا تُمْسِكُهَا الْيَدُ. لَمْ أَكُنْ أُفَكِّرُ إِلَّا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ: أُرِيدُ مَرْجَان.
أَلْحَحْتُ عَلَيْهَا أَنْ تُخْبِرَنِي أَيْنَ دُفِنَ. تَرَدَّدَتْ، ثُمَّ اسْتَسْلَمَتْ لِإِصْرَارِي، وَأَشَارَتْ إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ مَزْبَلَةِ الْقَرْيَةِ. لَمْ أَنْتَظِرْ. رَكَضْتُ كَأَنِّي أَهْرُبُ مِنَ الْحَقِيقَةِ، أَوْ أُلَاحِقُهَا. لَا أَعْلَمُ كَيْفَ اهْتَدَيْتُ إِلَيْهِ بَيْنَ أَكْوَامِ النِّسْيَانِ، لَكِنِّي وَجَدْتُهُ… أَوْ لَعَلَّ قَلْبِي هُوَ الَّذِي قَادَنِي.
نَبَشْتُ التُّرَابَ بِيَدَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ، حَتَّى ظَهَرَ جَسَدُهُ الصَّغِيرُ. حَمَلْتُهُ، ضَمَمْتُهُ إِلَى صَدْرِي، وَبَكَيْتُ بِحُرْقَةٍ لَمْ أَعْرِفْهَا مِنْ قَبْلُ. كُنْتُ أَصْرُخُ:
«مَرْجَانِي مَاتَ… مَرْجَانِي مَاتَ!»
وَكَأَنَّنِي بِإِعَادَةِ الْجُمْلَةِ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرْفُضَهَا، أَوْ أُؤَجِّلَ وُقُوعَهَا.
رَأَتْنِي أُمِّي، فَهَالَهَا الْمَشْهَدُ. هَرَعَتْ نَحْوِي، اِنْتَزَعَتْ مَرْجَانَ مِنْ بَيْنِ ذِرَاعَيَّ، وَدَفَنَتْهُ مَرَّةً أُخْرَى… هَذِهِ الْمَرَّةَ دُونَ أَنْ تُخْبِرَنِي أَيْنَ. رُبَّمَا أَرَادَتْ أَنْ تُحَمِّيَنِي، أَوْ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ التَّعَلُّقِ بِمَا لَا يَعُودُ.
وَهَكَذَا، أُسْدِلَ السِّتَارُ عَلَى فَصْلٍ صَغِيرٍ مِنْ طُفُولَتِي، لَكِنَّهُ كَانَ بِحَجْمِ الْحَيَاةِ كُلِّهَا. تَعَلَّمْتُ يَوْمَهَا، دُونَ أَنْ أَفْهَمَ، أَنَّ الْحُبَّ لَا يَحْمِينَا مِنَ الْفَقْدِ، وَأَنَّ الذِّكْرَيَاتِ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً، تَظَلُّ الشَّيْءَ الْوَحِيدَ الَّذِي لَا يُدْفَنُ.

وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، بَقِيَ مَرْجَانُ حَيًّا… لَا فِي الْأَرْضِ، بَلْ فِي دَاخِلِي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

في سهرِ الليالي بقلم لزرق هشام

في سهرِ الليالي، ‏كنتُ أشعلُ الشموعَ  ‏في دهاليز روحي، ‏كي لا تضيعَ ملامحي ‏في غربةِ الحياةٍ ‏حيًّ ميت أمشي بلا نبض. ‏وكان الصبرُ جِسرًا هشّ...