في تلك الرحلة التي بدت عادية في بدايتها لم أكن أعلم أن القدر يخبئ لي لقاء من أجمل اللقاءات وأكثرها تأثيرا
جلست في مقعدي قرب نافذة الطائرة أراقب الغيوم وأفكر في سنوات العمر التي تمضي بسرعة مذهلة
وبينما كنت شاردا التفت إلى الرجل الجالس بجانبي فإذا بملامحه توقظ في داخلي زمنا قديما لم يغادر الذاكرة
تأملت وجهه قليلا ثم نطقت اسمه بتردد ممزوج بالدهشة
فابتسم ابتسامة واسعة وقال بصوت يحمل حنين السنين نعم أنا هو صديق طفولتك الذي فرقت بيننا الأيام
في تلك اللحظة شعرت أن الطائرة لم تعد تحلق في السماء بل عادت بنا إلى الحي القديم وإلى الأزقة التي شهدت طفولتنا
بدأ الحديث بيننا دافئا وعفويا وكأن الغياب الطويل لم يكن سوى يوم واحد
تحدثنا عن أيام المدرسة حين كنا نجلس في المقعد نفسه ونتقاسم الكتب والأحلام الصغيرة
تذكرنا معلمينا الذين كانوا يزرعون فينا الأمل ويعلموننا معنى الاجتهاد والاحترام
ضحكنا كثيرا عندما تذكرنا مواقف الطفولة البريئة والمشاكسات التي كنا نظنها بطولات عظيمة
استعدنا ذكريات اللعب في الشوارع القديمة وصوت أمهاتنا وهن ينادين علينا مع غروب الشمس
وتحدثنا عن بيوتنا البسيطة التي كانت مليئة بالمحبة والدفء رغم قلة الإمكانيات
تذكرنا آباءنا وهم يعودون من أعمالهم متعبين لكنهم يحملون في وجوههم رضا الحياة
وتذكرنا أمهاتنا اللواتي كن يصنعن من أبسط الأشياء سعادة لا تنسى
مررنا في حديثنا على أسماء الجيران الذين كانوا عائلة واحدة تجمعهم المحبة والتكافل
تذكرنا الرجل الطيب الذي كان يجلس أمام دكانه يروي لنا القصص القديمة
وتذكرنا الأطفال الذين كبروا وتفرقت بهم الطرق وصار لكل واحد منهم حياة مختلفة
سألني عن أحوالي وعن عملي وعن الأسرة التي أصبحت مسؤولا عنها
وأخبرني عن رحلته الطويلة في الحياة وعن الصعوبات التي واجهها حتى أصبح في المكان الذي هو فيه الآن
كان حديثه يحمل نضجا كبيرا لكن عينيه بقيتا تحملان روح ذلك الطفل الذي عرفته منذ سنوات بعيدة
تحدثنا عن الأحلام التي كانت تسكننا ونحن صغار وكيف حققنا بعضها وضاعت أخرى في زحمة الحياة
واعترف كل منا للآخر أن الحياة لم تكن سهلة كما كنا نتخيل في طفولتنا
لكننا اتفقنا أن أجمل ما بقي معنا هو الذكريات الصادقة والقلوب التي لم تتغير رغم البعد
كان بيننا سجال حميم مليء بالمشاعر والصدق والضحكات التي امتزجت أحيانا بصمت مؤثر
شعرت وأنا أستمع إليه أن السنوات مهما طالت لا تستطيع أن تمحو أثر الصديق الحقيقي
وتأكدت أن بعض الأشخاص يسكنون القلب مهما ابتعدت المسافات وتغيرت الظروف
تحدثنا عن رحيل بعض الأحبة الذين كانوا جزءا من طفولتنا فخيم الحزن قليلا على حديثنا
وترحمنا على من غادروا الدنيا وتركوا في أرواحنا أثرا لا ينسى
ثم عدنا نضحك عندما تذكرنا المواقف الطريفة التي كانت تجمعنا في المدرسة والحي
أخبرني كيف كان يراقب أخباري من بعيد دون أن تتاح له فرصة التواصل معي
وأخبرته أنني كثيرا ما تذكرته وتساءلت أين أخذته الحياة
كانت الكلمات تتدفق بيننا بعفوية وكأن القلب هو الذي يتحدث لا اللسان
حتى مضيفات الطائرة لاحظن عمق الحديث والفرح الذي يملأ وجوهنا
شعرت للحظة أن تلك الرحلة القصيرة اختصرت سنوات طويلة من الغياب والاشتياق
ومع اقتراب موعد الهبوط بدأ الحزن يتسلل إلينا لأن اللقاء أوشك على النهاية
لكننا هذه المرة لم نسمح للزمن أن يسرقنا من بعضنا كما فعل سابقا
تبادلنا أرقام الهواتف ووعد كل منا الآخر أن يبقى قريبا مهما كانت الظروف
وعندما نهضنا من مقاعدنا احتضنني بقوة شعرت معها أنني أحتضن جزءا من طفولتي وعمري الجميل
غادرنا الطائرة وكل منا يحمل في قلبه فرحة اللقاء ودفء الذكريات
أدركت يومها أن الصديق الحقيقي لا تغيره السنوات ولا تبعده المسافات
وأن بعض اللقاءات تأتي في الوقت الذي نكون فيه بأشد الحاجة إلى استعادة أنفسنا القديمة
لقد كان ذلك اللقاء أكثر من مجرد مصادفة
كان رسالة جميلة من الحياة تخبرني أن الزمن مهما قسا يبقى عاجزا أمام صدق الصداقة ووفاء الذكريات
بقلم جمال الشلالدة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق