الأحد، 10 مايو 2026

ما اجمل الصداقة بقلم جمال الشلالدة

ما اجمل الصداقة
في تلك الرحلة التي بدت عادية في بدايتها لم أكن أعلم أن القدر يخبئ لي لقاء من أجمل اللقاءات وأكثرها تأثيرا
جلست في مقعدي قرب نافذة الطائرة أراقب الغيوم وأفكر في سنوات العمر التي تمضي بسرعة مذهلة
وبينما كنت شاردا التفت إلى الرجل الجالس بجانبي فإذا بملامحه توقظ في داخلي زمنا قديما لم يغادر الذاكرة
تأملت وجهه قليلا ثم نطقت اسمه بتردد ممزوج بالدهشة
فابتسم ابتسامة واسعة وقال بصوت يحمل حنين السنين نعم أنا هو صديق طفولتك الذي فرقت بيننا الأيام
في تلك اللحظة شعرت أن الطائرة لم تعد تحلق في السماء بل عادت بنا إلى الحي القديم وإلى الأزقة التي شهدت طفولتنا
بدأ الحديث بيننا دافئا وعفويا وكأن الغياب الطويل لم يكن سوى يوم واحد
تحدثنا عن أيام المدرسة حين كنا نجلس في المقعد نفسه ونتقاسم الكتب والأحلام الصغيرة
تذكرنا معلمينا الذين كانوا يزرعون فينا الأمل ويعلموننا معنى الاجتهاد والاحترام
ضحكنا كثيرا عندما تذكرنا مواقف الطفولة البريئة والمشاكسات التي كنا نظنها بطولات عظيمة
استعدنا ذكريات اللعب في الشوارع القديمة وصوت أمهاتنا وهن ينادين علينا مع غروب الشمس
وتحدثنا عن بيوتنا البسيطة التي كانت مليئة بالمحبة والدفء رغم قلة الإمكانيات
تذكرنا آباءنا وهم يعودون من أعمالهم متعبين لكنهم يحملون في وجوههم رضا الحياة
وتذكرنا أمهاتنا اللواتي كن يصنعن من أبسط الأشياء سعادة لا تنسى
مررنا في حديثنا على أسماء الجيران الذين كانوا عائلة واحدة تجمعهم المحبة والتكافل
تذكرنا الرجل الطيب الذي كان يجلس أمام دكانه يروي لنا القصص القديمة
وتذكرنا الأطفال الذين كبروا وتفرقت بهم الطرق وصار لكل واحد منهم حياة مختلفة
سألني عن أحوالي وعن عملي وعن الأسرة التي أصبحت مسؤولا عنها
وأخبرني عن رحلته الطويلة في الحياة وعن الصعوبات التي واجهها حتى أصبح في المكان الذي هو فيه الآن
كان حديثه يحمل نضجا كبيرا لكن عينيه بقيتا تحملان روح ذلك الطفل الذي عرفته منذ سنوات بعيدة
تحدثنا عن الأحلام التي كانت تسكننا ونحن صغار وكيف حققنا بعضها وضاعت أخرى في زحمة الحياة
واعترف كل منا للآخر أن الحياة لم تكن سهلة كما كنا نتخيل في طفولتنا
لكننا اتفقنا أن أجمل ما بقي معنا هو الذكريات الصادقة والقلوب التي لم تتغير رغم البعد
كان بيننا سجال حميم مليء بالمشاعر والصدق والضحكات التي امتزجت أحيانا بصمت مؤثر
شعرت وأنا أستمع إليه أن السنوات مهما طالت لا تستطيع أن تمحو أثر الصديق الحقيقي
وتأكدت أن بعض الأشخاص يسكنون القلب مهما ابتعدت المسافات وتغيرت الظروف
تحدثنا عن رحيل بعض الأحبة الذين كانوا جزءا من طفولتنا فخيم الحزن قليلا على حديثنا
وترحمنا على من غادروا الدنيا وتركوا في أرواحنا أثرا لا ينسى
ثم عدنا نضحك عندما تذكرنا المواقف الطريفة التي كانت تجمعنا في المدرسة والحي
أخبرني كيف كان يراقب أخباري من بعيد دون أن تتاح له فرصة التواصل معي
وأخبرته أنني كثيرا ما تذكرته وتساءلت أين أخذته الحياة
كانت الكلمات تتدفق بيننا بعفوية وكأن القلب هو الذي يتحدث لا اللسان
حتى مضيفات الطائرة لاحظن عمق الحديث والفرح الذي يملأ وجوهنا
شعرت للحظة أن تلك الرحلة القصيرة اختصرت سنوات طويلة من الغياب والاشتياق
ومع اقتراب موعد الهبوط بدأ الحزن يتسلل إلينا لأن اللقاء أوشك على النهاية
لكننا هذه المرة لم نسمح للزمن أن يسرقنا من بعضنا كما فعل سابقا
تبادلنا أرقام الهواتف ووعد كل منا الآخر أن يبقى قريبا مهما كانت الظروف
وعندما نهضنا من مقاعدنا احتضنني بقوة شعرت معها أنني أحتضن جزءا من طفولتي وعمري الجميل
غادرنا الطائرة وكل منا يحمل في قلبه فرحة اللقاء ودفء الذكريات
أدركت يومها أن الصديق الحقيقي لا تغيره السنوات ولا تبعده المسافات
وأن بعض اللقاءات تأتي في الوقت الذي نكون فيه بأشد الحاجة إلى استعادة أنفسنا القديمة
لقد كان ذلك اللقاء أكثر من مجرد مصادفة
كان رسالة جميلة من الحياة تخبرني أن الزمن مهما قسا يبقى عاجزا أمام صدق الصداقة ووفاء الذكريات

بقلم جمال الشلالدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

إذا أعطتكَ الدنيا فرحاً بقلم محمد السيد حبيب

إذا أعطتكَ الدنيا فرحاً إذا أعطتكَ الدُّنيا فَرحاً   فلا تَغترَّ.. فالدُّنيا دُولْ يَدورُ الدَّهرُ ما بينَ الوَرى   فيومٌ صَفوٌ.. ويومٌ وَحَ...