السبت، 25 يوليو 2026

على ألفِ حاجزٍ في بيروت بقلم كارم الطير

على ألفِ حاجزٍ في بيروت
قتلوها...
لا لأنها حملتْ خنجرًا، ولا لأنها أشعلتْ حربًا، ولا لأنها كانت تعرف كيف تُسقطُ المدن...
قتلوها... لأنها أخرجتْ من حقيبتها بطاقةً صغيرة، كُتب عليها اسمُها، وكان الاسمُ... أكبرَ من احتمالهم.
تراجع الصباحُ خطوةً، واختبأتِ الشمسُ خلف دخان البنادق، وأدركتِ السماءُ أن الأرضَ على موعدٍ مع جريمةٍ أخرى.
لم يسألوها: من تنتظرين؟ ومن يكتب إليكِ رسائلَ الحب؟ ومن علّق على نافذتكِ أولَ ياسمينةٍ في الربيع؟
لم يسألوها عن أمٍّ سهرت الليالي تحيكُ لها ثوبَ الفرح، ولا عن أبٍ كان يحلم أن يزفها في ليلةٍ تمتلئُ بالأغاني.
لم يسألوها عن وطنها... فالقاتلُ لا تعنيه الأوطان، ولا يرى في الإنسان غيرَ هويةٍ يقرأها بفوهةِ بندقية.
قرأوا اسمها... فأغلقوا كتابَ الرحمة، وفتحوا كتابَ الموت.
وتساقط الرصاصُ كالمطر الأسود، حتى صار جسدُها خارطةً لثقوبِ الكراهية.
ثم مضوا...
كأن شيئًا لم يكن.
تركوها على قارعةِ الطريق، والريحُ تغطي وجهها بأوراق الخريف.
مرَّ الناسُ... منهم من بكى، ومنهم من خاف، ومنهم من خفض رأسه ومضى، كأن الصمتَ أصبح اللغةَ الرسمية لهذا العالم.
أما هي...
فكانت أكثرَ حياةً من قاتليها.
كانت عيناها مفتوحتين كنافذتين تنتظران العدالة.
وكانت يدُها تقبضُ على حلمٍ صغير، أن تعود مساءً إلى بيتها، وتضع رأسها على كتف أمها، وتقول: لقد تأخرتُ قليلًا...
لكن الطريق كان أطولَ من العمر.
يا بيروت...
كم خبأتِ في حجارتكِ أسماءً لم تجد قبورًا، وكم حمل بحرُكِ من حكاياتِ العاشقين الذين سبقهم الرصاصُ إلى الغياب.
ويحهم...
أيُّ نصرٍ يصنعه قاتلٌ يهزم فتاةً أعزلَ إلا من اسمها؟
وأيُّ بطولةٍ في يدٍ ترتجفُ أمام ورقة، ثم تثبتُ على الزناد؟
سيكبر الأطفال، وسيقرأون أن امرأةً مرت من هنا، وكان ذنبها أنها لم تُخفِ اسمها.
وسيكتب الشعراء أن الحواجز لا تمنع الطرق، بل تمنع الإنسانية.
أما أنتِ...
فلن تكوني جثةً على قارعة الطريق.
ستكونين وردةً تنبتُ في ذاكرة كل حر، وصلاةً يرددها المظلومون، وحكايةً تعلم الأجيال أن الإنسان لا يُقاس باسمه، ولا ببلده، ولا بهويته...
بل بقلبه.
سلامٌ عليكِ... يوم ولدتِ، ويوم أحببتِ، ويوم عبرتِ آخرَ حاجزٍ إلى الله...
كارم الطير،،،،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الحياة بعد الستين بقلم عصام الدين عادل ابراهيم

الحياة بعد الستين بقلم / عصام الدين عادل ابراهيم  إن الإنسان بعد الستين تتخلى عنه الدنيا بمن فيها من قوانين جائره بلا مشاعر ولا انسانية ولا ...