في زحامِ الجماهير التي تضجُّ بآلاف المارّة، يرتفعُ الحرفُ نقيّاً كغصنِ ياسمين يشقُّ صخرةً عتيقة، أو كأنه ومضةُ برقٍ في ليلٍ أخرس. يرمي الشاعرُ درّتَه في لجّةٍ من ضجيج، لا يبتغي إلا أن يرتدَّ إليه نبضُها الخفي، أو أن يُلمسَ في الماء صدىً لروحه.
لكنَّ العجبَ المُذِلّ، أن تمرَّ الجموعُ كما تمرُّ الريحُ على جدارٍ أصمَّ، أبصارهم تنظرُ لكنَّ قلوبهم في سبات، كأنَّ الكلماتِ كُتبتْ بحبرٍ من سراب، أو نُطقتْ بترددٍ لا تلتقطه إلا أفئدةٌ مكلومة. فلا تعبرُ الموجةُ، ولا يبقى من الأثرِ إلا أنينُ الصفحة البيضاء.
حتى إذا ما خيّمَ الغيابُ، واشتدَّتْ وحدةُ الروح، امتدَّتْ يدٌ واحدةٌ، أو اثنتان، كأنهما غصنانِ في صحراء، يُشعلانِ من بقايا الظلِّ قبساً، ليؤكدا أنَّ المعنى الحقيقي لا يُوزنُ بتصفيقِ الجماهير، بل بصدقِ الارتعاشةِ التي تُحدثُها الكلمةُ في نياطِ القلوب.
أما الآلافُ الباقون، فليسوا إلا تماثيلَ تتفرّجُ على وهجِ الحرف، شهداءَ على غربةِ الإبداع في زمنٍ صار فيه الصمْتُ أصدقَ من هُراءِ الكثرة، وصارتِ الوحدةُ معنىً لا يُدركه إلا من ذاقَ طعمَ اللؤلؤِ قبلَ أن يُلقى في الماء.
#بقلم أ.د.ناصر إبراهيم @
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق