الثلاثاء، 28 يوليو 2026

عروس الهجرة و الفأر بقلم عبدالفتاح الطياري

عروس الهجرة و الفأر 
صورة واحدة أبت ذاكرة الأيام أن تمحوها... صورة "خاطر المساء" وهو يغادر وطنه مطرداً، قسراً وعسفاً لأغراض سياسية، حاملاً وجع المنفى في خطاه، ومقْبلاً على مجهول لا يملك فيه سوى رغبته في البقاء، عارياً من كل وثيقة، بلا بطاقة إقامة تحميه من عصف الريح وقسوة القوانين. لكن الأرض كعادتها تمد أياديها بالحنين؛ فقد استقبله أبناء قريته هناك، وشدّوا من أزره، وأعانوه على تدبّر مأوى يسدّ رمق العزلة، ودلّوه على عمل في خفاء الظل، حيث يباع العرق رخيصاً في سوق النكبة والانتظار.
أربعة من أبناء القرية ذاتها، يتقاسمون غرفة واحدة تشبه قاع الجحيم؛ مساحة ضيقة متربة، تضم أربعة أسرّة مزدوجة تجمعهم على شقاء واحد ومصير مشترك. وفي هذه الغرفة البائسة، تذوب الحدود بين كل الأشياء؛ فهي مخدع للنوم، ومائدة للطعام، ومطبخ يضيق ببخار القدر، ونافذة تطل على فراغ الروح.
وهناك، وسط عتمة المكان، يعيش ذلك الصديق الذي استوطن "عروس الهجرة" وصار هو إياها؛ رفيق طال به السكر وغاب في غياهب التغييب. ترك خلفه في الوطن عروساً تترقب عودته لتكتمل فرحتهما، لكن قلة ذات اليد وثقل الخيبة جعلاه نكوصاً لا يعود، محققاً فيه ذلك المثل الشقي: تركها لا هي معرسة ولا هي مطلقة.
هذه المظلمة الوجدانية الواعية ألقت بظلالها الثقيلة عليه، فأبقته غائباً عن الوعي دائماً؛ يعمل بلا انقطاع ولا يستحم، يقتات على ما فضل من لقمة الأمس، أو يكتفي بفتح علبة سردين مع قليل من الزيت. لا يغسل ثيابه حتى تنتن رائحتها، وهكذا دواليك... يتقاذفه ليل المنفى ونهاره. ومع ذلك كله، ظل رفيقاً أنيساً وطيب النقاء، مستعداً دائماً لإعانة أهل البيت ومساعدتهم، متى صحا من غشوة السكر ومتاعب الاغتراب.
وفي خضم هذه العزلة الموحشة، تولدت بينه وبين الكائنات أسرار غريبة؛ إذ اعتاد في خلوته تلك أن يستقبل ضيفاً صامتاً، جرذاً رمادياً يزوره كلما أقبل ليشاركـه فتات عيشه. يشرع الصديق في الأكل فيقترب الجرذ، وكأنهما يتبادلان لغة خفية في عمق المنفى، يناقشه الضيف الصغير بصمت مطبق فيرد عليه الصديق بحديث مبهم وهمهمات سكرى، ثم يمد له فوق نفس الطاولة قطرات من الحليب وقليلاً من الجبن. ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل يرتقي الحيوان بلا خوف ليحطّ على كتفه، مستأنفاً معه طقساً يومياً فريداً من الأنس والوحشة، وكأنهما غريبان تماهيا حتى صار أحدهما ظلاً للآخر في هذا الشتات البعيد.
وحين تنصحه الجماعة بلوعة وخوف: «لماذا تفعل هذا؟ ألا تعلم أن الجرذ يجلـب الطاعون والوباء؟»، يلتفت إليهم بابتسامة غائمة وعينين تثقلهما دموع المنفى، ثم يرد عليهم بيقين منكسر ودافئ:
— «دعوه وشأنه... هذاك ابني، يسهر عليّ ويواسيني».
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أَحْكِي يَا جَدِّي حَدِيثَ الْمَسَاءِ،(جزء ثاني) بقلم أحمد يوسف شاهين

أَحْكِي يَا جَدِّي حَدِيثَ الْمَسَاءِ،(جزء ثاني)     فما زالَ ذِكْرُ اللَّيالي هُناكَ   لصيفٍ يزورُنا بعدَ الشِّتاءِ   أزيزُ السَّواقِي وشَج...