الأحد، 30 أغسطس 2026

أَنَا الْجَزَائِرُ بقلم مَنْدَاسْ غَرِيسِي

النّص: أَنَا الْجَزَائِرُ
بِقَلَمِ الشَّاعِرِ: مَنْدَاسْ غَرِيسِي / الْجَزَائِر

رَأَيْتُ رَجُلًا...

كَأَنَّ الْجِبَالَ خَلَعَتْ عَنْ قِمَمِهَا صَمْتَهَا، وَصَاغَتْ مِنْ صَخْرِهَا كَتِفَيْهِ.

كَأَنَّ الْأَوْرَاسَ أَوْدَعَتْ فِي صَدْرِهِ قَلْبًا إِذَا نَبَضَ، اهْتَزَّتْ لَهُ الْمَسَافَاتُ.

كَانَ يَرْفَعُ الْحَدِيدَ لَا لِيُرْهِبَ ضَعِيفًا، بَلْ لِيَرْفَعَ عَنْ كَاهِلِ الْوَطَنِ أَثْقَالَ السِّنِينَ.

وَكَانَ يَدْخُلُ سَاحَةَ الْخَوْفِ بِخُطًى ثَابِتَةٍ، فَلَا تَرْتَجِفُ لَهُ رُوحٌ، وَلَا يَنْحَنِي لَهُ عَزْمٌ.

ثُمَّ...

احْتَرَقَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى.

كَانَ الشَّرْقُ يَحْتَرِقُ.

فَلَمْ يَنْتَظِرْ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنِ الْمَسَافَةِ.

هَبَّتْ يَدُهُ الْيُسْرَى مِنَ الْغَرْبِ، تَرْكُضُ كَالرِّيحِ، تَشُقُّ الْمَدَى، كَأَنَّ الطُّرُقَ تَتَنَحَّى لِلْمَحَبَّةِ.

وَقَالَتْ لِلْيَمِينِ:

أَنَا مِنْكِ... وَجُرْحُكِ جُرْحِي.

ثُمَّ هَرْوَلَتْ سَاقُهُ مِنَ الْجَنُوبِ الْغَرْبِيِّ، وَأَقْبَلَتْ أُخْرَى مِنَ الْجَنُوبِ الشَّرْقِيِّ،

تَطْوِيَانِ الصَّحْرَاءَ كَأَنَّهُمَا فَرَسَانِ يَشُقَّانِ الرِّيحَ.

وَفَجْأَةً...

لَمْ أَرَ شَرْقًا، وَلَا غَرْبًا، وَلَا جَنُوبًا.

رَأَيْتُ جَسَدًا وَاحِدًا يَرْكُضُ نَحْوَ جُرْحِهِ.

وَفِي وَسَطِهِ كَانَ الْقَلْبُ...

أَوْرَاسُ.

يَضْرِبُ:

دَقًّا... دَقًّا... دَقًّا...

كَأَنَّهُ طَبْلُ التَّارِيخِ يُعْلِنُ:

لَا عُضْوَ يَبْقَى وَحْدَهُ فِي هَذَا الْجَسَدِ.

سَأَلْتُ الرَّجُلَ:

مَنْ أَنْتَ؟

فَتَوَقَّفَ...

وَكَأَنَّ فِي عَيْنَيْهِ صَحْرَاءَ تَمْتَدُّ، وَبَحْرًا يَحْرُسُ السَّاحِلَ، وَجَبَلًا يَحْفَظُ السِّرَّ.

ثُمَّ قَالَ:

أَنَا الْجَزَائِرُ.

شَرْقِي يَدِي الْيُمْنَى، وَغَرْبِي يَدِي الْيُسْرَى، وَجَنُوبِي سَاقَايَ، وَالْأَوْرَاسُ قَلْبِي.

إِنْ احْتَرَقَ عُضْوٌ مِنِّي، رَكَضَتْ نَحْوَهُ كُلُّ أَعْضَائِي.

وَإِنْ نَزَفَ جُزْءٌ مِنِّي، نَزَفَ الْجَسَدُ كُلُّهُ.

ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ...

وَشَدَّ عَضَلَاتِهِ، كَأَنَّهُ يَشُدُّ عَزِيمَةَ شَعْبٍ كَامِلٍ.

وَقَالَ:

لَسْتُ قُوَّةً لِأَبْطِشَ... أَنَا قُوَّةٌ لِأَحْمِي.

وَلَا أَرْفَعُ الْحَدِيدَ لِأُرْهِبَ، بَلْ أَرْفَعُ أَثْقَالَ الْمَحَنِ عَنْ كَاهِلِ الْوَطَنِ.

وَلَا أَتَعَلَّمُ فُنُونَ الْقِتَالِ لِأَطْلُبَ الْخَصْمَ، بَلْ لِأَقِفَ حِينَ يَتَرَاجَعُ الْخَوْفُ.

وَعِنْدَ آخِرِ الْمَشْهَدِ...

رَأَيْتُ الْيَدَ الْيُمْنَى تَخْرُجُ مِنَ النَّارِ.

وَرَأَيْتُ الْغَرْبَ يَمْسَحُ عَنْهَا الرَّمَادَ.

وَرَأَيْتُ الْجَنُوبَ يَقِفُ إِلَى جَانِبِهَا.

وَرَأَيْتُ الْقَلْبَ يَنْبِضُ...

دَقًّا... دَقًّا... دَقًّا...

فَأَدْرَكْتُ:

أَنَّ الْجَزَائِرَ لَيْسَتْ خَرِيطَةً تُقَسَّمُ بِالْجِهَاتِ.

إِنَّهَا:

جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَقَلْبٌ وَاحِدٌ، وَنَبْضٌ وَاحِدٌ، وَإِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ.

وَاسْمٌ وَاحِدٌ يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَمِنْ كُلِّ قَلْبٍ، وَمِنْ كُلِّ ذِرَاعٍ، وَمِنْ كُلِّ خُطْوَةٍ:

أَنَا الْجَزَائِرُ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

المكر الاقتصادي بقلم سليمان الجزائري

حقوق محفوظة – حقوق المؤلف بقلم: سليمان الجزائري عنوان: المكر الاقتصادي كيف يكون هذا المكر الاقتصادي مفيدًا لجميع الدول؟ هذه الاستراتيجية صُم...