بقلم الباحث السوري فؤاد زاديكي
قد لا يعني لنا، نحن السريان والمسيحيين السوريين، كثيرًا أن يصبح مظلوم عبدي مستشارًا للرئيس أحمد الشرع، فهذه في نهاية المطاف مسألة تتعلّق بالشرع وعبدي وبترتيبات السلطة الجديدة في سورية. وما يهمّنا، قبل الأشخاص والمناصب والتحالفات، هو السؤال الأهمّ: ماذا عن حقوق السريان وسائر المكونات السورية في سورية الجديدة؟
إنّ حق أيّ مكوّن سوري في الحفاظ على لغته وثقافته وتعليم أبنائه بها هو حقّ مشروع لا ينبغي لأحد أن يُجادل فيه. ومن هذا المنطلق، فإنّنا لا نعترض على أن يتعلّم الكرد السوريون لغتهم، ولا نرى في الاعتراف بحقوقهم الثقافية واللغوية انتقاصًا من حقوق غيرهم. بل إنّنا نؤمن بأنّ سورية المستقبل لا يمكن أن تكون عادلة ما لم تَعترف بتنوّعها القومي والثقافي واللغوي، وتحمي هذا التنوّع ضمن إطار دولة المواطنة والقانون.
وقد أصبح ملف تعليم اللغة الكردية حاضرًا بقوّة في التفاهمات الأخيرة بين دمشق ومظلوم عبدي، مع تأكيد عبدي أنّ الرئيس الشرع أبدى انفتاحًا على حقّ التعليم باللغة الأم. كما أنّ النّقاش الجاري يتناول عمليًّا شكل وآليات اعتماد الكردية في التعليم، وليس مجرّد الاعتراف الرمزي بها.
وهنا تحديدًا يحقّ لنا، نحن السريان، أن نسأل بكلّ وضوح:
أين حقّنا نحن في لغتنا السريانية؟
إذا كان من حقّ الكردي السوري أن يتعلّم لغته الأمّ، فمن حقّ السرياني السوري كذلك أن يتعلّم السريانية. وإذا كان من الطبيعي أن تُدرَّس لغة مكوّن في المناطق التي يشكلّ فيها حضورًا سكانيًا معتبرًا، فمن الطبيعي بالقدر نفسه أن تُحترم خصوصيّة السريان في المناطق التي يشكّلون فيها جزءًا أصيلًا من النسيج السكاني والتاريخي، ولا سيما في الجزيرة السورية،
إذ لا ينبغي أن يتحوّل الحديث عن "المناطق ذات الأغلبية الكردية" إلى ذريعة لإلغاء وجود المكوّنات الأخرى أو التعامل معها وكأنّها ضيوف طارئون في أرض لها تاريخ طويل من التنوّع. الجزيرة السورية ليست ملكًا لقومية واحدة، كما أنّ سورية ليست ملكًا لقومية واحدة.
لقد عاش السريان في هذه المنطقة منذ قرون طويلة، وكانت لغتهم السريانية جزءًا أساسيًّا من تاريخها وثقافتها وحضارتها. ولذلك فإنّ المُطالبة بتعليم السريانية ليست مُطالبة بامتياز قوميّ، ولا محاولة لمنافسة اللغة الكردية، وإنّما هي دفاع عن حقّ ثقافيّ ولغويّ أصيل.
بل إنّ المبدأ الذي ينبغي أن يحكم هذه المسألة بسيط وواضح:
ما نطالب به لأنفسنا يجب أن نقبله للآخرين، وما نقبله للآخرين يجب ألّا نَحرم أنفسنا منه.
من المؤسف أنّ السريان لم يكونوا، خلال السنوات الماضية، على مستوى التحدّي في الدفاع عن حقوقهم. فعلى مدى أكثر من عقد، كانت قُوى الأمر الواقع في شمال وشرق سورية تتحكّم إلى حدّ كبير في القرار السياسي والعسكري والإداري في مناطق واسعة من الجزيرة، وكانت للسريان، مثل غيرهم، ملاحظات وشكاوى تتعلّق بالتعليم واللغة والمناهج والإدارة المحليّة وغيرها. وفي الوقت نفسه، لم يكن السريان بعيدين عن واجب الدفاع عن المنطقة، بل شارك أبناؤهم في مؤسسات وقوى أمنية وعسكرية مختلفة، وقدّموا تضحياتهم شأنهم شأن أبناء المكوّنات الأخرى.
لكنّ المشاركة في الدفاع عن الأرض لا ينبغي أن تكون ثمنًا للتنازل عن الهُوِيّة، كما أنّ الشراكة في مواجهة الأخطار لا تعني القبول بسياسات قد تكون مُجحفة بحقّ مكوّن آخر.
والأهمّ من ذلك كلّه أن علينا، نحن السريان، أن نتحمّل مسؤوليتنا أيضًا.
أين كانت أحزابنا السريانية بكلّ تلاوينها؟
وأين كانت مواقفها الموحّدة عندما كانت قضايا اللغة والتعليم والمناهج والوجود السرياني تُناقش وتُقرّر؟ وكيف يمكن لقضية عادلة أن تجد طريقها إلى النجاح في ظلّ هذا التشرذم والخلافات الحزبية والسياسية التي أضعفت، وما تزال تضعف، القدرة السريانية على التأثير؟
إنّني أرى أنّ المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها، بل تشمل أيضًا النّخب الثقافية والفكرية والإعلامية السريانية، وكلّ من يملك القدرة على التأثير في الرأي العام. وتشمل كذلك السلطة الدينية السريانية، وفي مقدمتها البطريركية السريانية الأرثوذكسية، التي يُفترض أن يكون صوتها حاضرًا عندما يتعلّق الأمر بقضية تمسّ جوهر هُوِيّة أبناء الكنيسة ووجودهم الثقافي واللغوي.
وهنا لا بد من القول بصراحة: الدفاع عن اللغة السريانية ليس شأنًا كنسيًّا ضيّقًا، بل قضية وطنية وثقافية سورية.
لقد شهدت السنوات الأخيرة تحوّلات كبيرة في ملفّ التعليم في الجزيرة، وكان التعليم نفسه ساحة للخلاف السياسي بين دمشق والسلطات المحلية، كما أنّ المناهج واللغات المُستخدمة في المدارس كانت ولا تزال جزءًا من هذا الصراع. وفي المقابل، تُشير مصادر مرتبطة بالإدارة الذاتية نفسها إلى أنّ العربيّة والكرديّة والسريانيّة اعتُبرت لغات للتعليم ضمن نظامها التعليمي، وأنّها تبنّت مبدأ مُراعاة خُصوصيّة المناطق بحسب تركيبتها السكانية.
وهذا يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كان هذا المبدأ مَقبولًا، فلماذا لا يتحوّل إلى سياسة عادلة وشاملة تضمن حقوق الجميع، بدل أن يُصبح وسيلة لتكريس نفوذ مكوّن على حساب مُكوّنات أخرى؟
أمّا ما يُقال عن تراجع حضور السريانية في التعليم والمناهج والفضاء الأكاديمي والثقافي السوري الجديد، فهو أمر ينبغي ألّا يمرّ بصمت. فإقصاء اللغة السريانية أو التاريخ السرياني من أيّ مشروع لإعادة بناء المناهج السورية سيكون خسارة لسورية نفسها، لا للسريان وحدهم. إنّ تاريخ سورية أقدم وأغنى من أن يُختصر في سرديّة قوميّة أو دينيّة واحدة.
لقد آن الأوان لأن نفهم أنّ الدولة السورية الجديدة يجب ألّا تنتقل من هيمنة لون واحد إلى هيمنة لون آخر. المطلوب ليس استبدال مركزيّة عربيّة بمركزيّة كرديّة، ولا استبدال تهميش السريان بتهميش العرب أو غيرهم، وإنّما بناء دولة تعترف بكلّ مُكوّناتها على أساس المُواطنة المتساوية.
نحن لا نريد أن نحرم الكرد من لغتهم، بل نريد أن نسأل: لماذا لا تكون السريانية والكردية والعربية وغيرها من لغات سورية التاريخية والثقافية جزءًا من مشروع وطني جامع لحماية التنوّع؟
ولماذا لا يكون هناك إطار قانوني واضح يضمن تعليم لغات المكوّنات السورية في المدارس، وفق الكثافة السكانية والحاجة والإمكانات، من دون تمييز أو إقصاء؟
لماذا لا تُدرّس السريانية في عدد من مدارس الجزيرة حيث يوجد أبناء السريان بأعداد مناسبة؟ ولماذا لا تُتاح لهم دراسة تاريخهم وثقافتهم ولغتهم بصورة مؤسّسيّة؟ ولماذا لا تُحمى الآثار والأسماء التاريخية والموروث الثقافي السرياني بوصفها جزءًا من التراث السوري العامّ؟
هذه ليست مطالب انفصاليّة، ولا دعوة إلى التقسيم، ولا اعتراضًا على حقوق أي شعب أو قوميّة.
إنّها ببساطة دعوة إلى العدالة.
ومن هنا، فإنّني أعتقد أنّ اللحظة الرّاهنة تفرض على الأحزاب والتنظيمات السريانية، على اختلاف توجّهاتها، أن تتجاوز خلافاتها وأن تجلس إلى طاولة واحدة. فالمرحلة ليست مرحلة تسجيل نقاط حزبية، ولا مرحلة صراع على الزعامة، ولا وقتًا للمُناكفات الداخليّة.
إنّها مرحلة وُجود.
وعلى البطريركيّة والمؤسّسات الدينيّة السريانيّة أن ترفع صوتها بوضوح، وعلى المثقفين والكتاب والإعلاميين والأكاديميين السريان أن يتحمّلوا مسؤولياتهم، وعلى الأحزاب السريانية أن تصوغ ورقة حقوق وطنية سريانية موحّدة، تتضمّن بصورة واضحة الحقوق اللغويّة والثقافيّة والتعليميّة، وتضعها أمام الدولة السورية الجديدة وأمام الرأي العامّ السوريّ.
كما ينبغي ألّا تكون هذه الورقة موجّهة ضدّ الكُرد أو العرب أو أيّ مكوّن آخر، بل يجب أن تكون نموذجًا لكيفيّة المطالبة بالحقوق ضمن الدولة السوريّة الواحدة.
نحن لا نطلب أكثر ممّا نمنحه للآخرين، ولا نقبل بأقلّ ممّا نقبله للآخرين.
إذا كان للكرديّ حقّ في أن يتعلّم الكرديّة، فللسرياني الحقّ في أن يتعلّم السريانية وكذلك الأرمني وغيره.
وإذا كان من حقّ أيّ مكوّن أن يحافظ على تاريخه وثقافته، فمن حقّ السريان أن يحافظوا على تاريخهم وثقافتهم.
وإذا كانت سورية الجديدة تريد أن تبني دولة المُواطنة، فعليها أن تُثبت ذلك عمليًّا، لا بالشّعارات وحدها.
إنّ السريان ليسوا أقليّة وافدة تبحث عن حماية، ولا جماعة عابرة في تاريخ سورية. إنّهم مُكوّن أصيل من مُكوّنات هذه البلاد، ولغتهم واحدة من أقدم اللغات الحيّة في المنطقة، وتراثهم جزء لا يتجزأ من الذاكرة السوري؟ة.
ولذلك، فإنّني أقول لكلّ سرياني حريص على مستقبل قومه وثقافته:
لا تنتظرْ أن يُدافع الآخرون عن لغتك.
ارفعْ صوتك.
طالبْ بحقك.
اضغطْ على ممثّليك السياسيّين والدينيّين.
اطلبْ من أحزابك أن تتوحّد.
واطلبْ من مؤسّساتك الدينيّة والثقافيّة أن تتحمّل مسؤولياتها.
فالحقوق التي لا يُطالِب بها أصحابُها قد تَضيع، والهُوِيّة التي لا يَحميها أبناؤها قد تتحوّل مع الزمن إلى مجرّد ذكرى في كتب التاريخ.
نحن لا نُريد أن نكون ضيوفًا في تاريخنا، ولا نريد أن نُلفَظ خارج مستقبل سورية.
نريد سورية تتّسع للجميع، سورية لا يخاف فيها الكرديّ على كرديّته، ولا السريانيّ على سريانيّته، ولا العربيّ على عروبته، ولا المسيحي على مسيحيّته، ولا المسلم على إسلامه.
سورية المواطنة، لا سورية الغَلَبة.
سورية التنوّع، لا سورية الإقصاء.
سورية التي يكون فيها الحفاظ على لغة الآخر حمايةً للغتنا، والاعتراف بحقّ الآخر اعترافًا بحقّنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق