بقلم الشاعر: مَنْدَاسْ غَرِيسِي / الجزائر
أنا لسانُ الضادِ، فاسمعْ نبضَتي
أنا في المدى العربيِّ سرُّ هُويّتي
ثلاثٌ وعشرونَ رايةَ مجدِنا
لكنَّ قلبي واحدٌ في وحدتي
منْ مغربِ الشمسِ التي لا تنطفئْ
حتى مشارفِ بحرِنا في المشرقِ
أنا العربيُّ، إذا تناءتْ أرضُنا
ضمّتْ حروفُ الضادِ شملَ شتاتي
الجزائر — رايةُ الحُرِّيَّة
أنا الجزائرُ... والحريةُ دمي
والأوراسُ في أعماقِ صدري موطني
علّمتُ طينَ الأرضِ معنى أنْ أكونَ
حرًّا، وألّا أستبيحَ كرامتي
منْ ثورةِ الأحرارِ أشعلتُ المدى
فغدتْ دماءُ الشهداءِ شمسَ عروبتي
إنْ قيلَ: مَن أنتِ؟ قلتُ: أنا التي
لا تنحني... ما دامَ في صدري نَفَسْ
السعودية — رايةُ الكَرَم
أنا السعوديةُ... والكرمُ الذي
توارثتُهُ عنْ سادةِ الصحراءِ
في مكةٍ شرفُ الرسالةِ في دمي
وبطيبةَ الأرواحُ تستعذبُ الدعاءَ
أفتحُ للضيفِ الكريمِ أبوابَنا
وأصونُ عهدَ الجارِ في السراءِ
أنا موطنُ المروءةِ إنْ دُعيتُ
فالنخوةُ الكبرى منَ الأسماءِ
الإمارات — رايةُ الطُّمُوح
أنا الإماراتُ... طموحي سلّمٌ
يصعدْ بيَ الآتي إلى العلياءِ
إنْ قالَ قومٌ: مستحيلٌ قلتُ: لا
فالعزمُ يحوّلُ حلمَنا لضياءِ
بنيتُ منَ الصحراءِ مجدًا شامخًا
حتى غدتْ للعلمِ فيَّ سماءُ
أنا منْ إذا رسمَ الطموحُ طريقَهُ
مضى... ولا يخشى صعوبةَ خطوِهِ
البحرين — رايةُ الأصالة
أنا البحرينُ... لؤلؤةُ المدى
والبحرُ يحفظُ سرَّ أصلي في دمي
منْ عمقِ موجي جاءَ إرثُ بحّارٍ
وعلى شواطئي صاغَ مجدَ مراكبي
جزيرةٌ، لكنَّ في أعماقِها
تاريخُ بحرٍ شامخٌ لم ينهدمْ
صغُرتْ جغرافيتي، ولكنْ أمتي
في القلبِ أكبرُ منْ حدودِ الخريطةِ
عُمان — رايةُ الحِلم
أنا عُمانُ... والحِلمُ تاجُ شمائلي
والصبرُ عندَ الشدّةِ عنوانُ الوفا
في البحرِ ربّانٌ، وفي البرِّ امرؤٌ
يعطي الأمانَ، ويستجيرُ بهِ الضعيفْ
سيفي معي، لكنَّ خلقي غمدُهُ
فالسيفُ دونَ مروءةٍ لا يُرتجى
أنا منْ يصونُ العهدَ مهما عَصَفَتْ
ريحُ الزمانِ... ولا يبيعُ الوفا
الكويت — رايةُ النَّجدة
أنا الكويتُ... والنخوةُ رايتي
والجارُ عندي حرمةٌ وأمانُ
إنْ ضاقَ صدرُ أخٍ فتلكَ نجدةٌ
تأتيه قبلَ سؤالِهِ وتُصانُ
أعطي ولا أمنُّ، وأحفظُ عهدَهُ
فالحرُّ يعرفُ للوفاءِ مكانَ
أنا الكويتُ... إذا استغاثَ أخٌ
وجدَ القلوبَ قبلَ أنْ يجدَ اليدَ
قطر — رايةُ الوفاء
أنا قطرُ... والوفاءُ سجيةٌ
والعهدُ عندي ليسَ حرفَ كلامِ
أمضي على دربِ المروءةِ ثابتًا
لا أشتري بالريحِ ثباتَ مقامي
إنْ عاهدتُ، حفظتُ عهدَ مودّتي
فالعهدُ تاجٌ فوقَ رأسِ الكرامِ
منْ صانَ عهدَ أخيهِ صانَ مقامَهُ
ومنِ استهانَ بالعهدِ عاشَ هوانا
اليمن — رايةُ الحضارة
أنا اليمنُ... وسبأُ في مهجتي
والسدُّ يحكي للزمانِ حكايتي
منْ مأربٍ مرَّتْ حضاراتُ المدى
وتركتُ في وجهِ القرونِ بصمتي
في البنِّ رائحةُ الجبالِ، وفي يدي
مجدٌ يضيءُ على امتدادِ حكايتي
أنا اليمنُ... إذا تحدّثَ موطني
أصغى الزمانُ... واستعادَ روايتي
العراق — رايةُ العلم
أنا العراقُ... وبي الكتابُ معلّمٌ
وبغدادُ منبرُ حكمةٍ وبيانِ
منْ بابلٍ خطَّ الأوائلُ حرفَهمْ
فاستيقظَ التاريخُ منْ أحزانِهِ
ودجلةٌ يجري وفي أمواجِهِ
سرُّ الحضارةِ، نبضُ كلِّ زمانِ
أنا العراقُ... إذا ذكرتَ حضارةً
فاسألْ حروفي: منْ أنا؟ أنا البيانُ
سوريا — رايةُ العراقة
أنا سوريا... والشآمُ قصيدتي
والياسمينُ على المدى عنوانُ
دمشقُ في حجري، وفي أبوابِها
تاريخُنا الممزوجُ بالأذانِ
كلُّ الطريقِ إلى العراقةِ شاهدٌ
أنَّ الشآمَ حضارةٌ لا تُستكانُ
إنْ أثقلَ الجرحُ القديمُ ملامحي
فالياسمينُ منَ الرمادِ يُصانُ
لبنان — رايةُ الصمود
أنا لبنانُ... والأرزُ قامَ بشامخٍ
فوقَ الجبالِ كأنَّهُ إنسانُ
علّمتني قممُ الجبالِ بأنَّني
أبقى، ولو عصفتْ بنا الأحزانُ
في الصخرِ لي قلبٌ، وفي البحرِ المدى
وفي الصمودِ حكايتي وعنوانُ
إنْ هبّتِ العاصفاتُ حولَ ربوعي
فالجذرُ أعمقُ... والجبالُ حصانُ
الأردن — رايةُ الشهامة
أنا الأردنُ... والشهامةُ رايتي
والضيفُ عندي في الحمى مصونُ
والفارسُ العربيُّ يعرفُ أنني
إذا استجارَ أخٌ بهِ أكونُ
منْ الباديةِ ورثتُ معنى نخوةٍ
تبقى إذا ضاقتْ بنا السنونُ
أنا الذي لا يخذلُ المستجيرَ
ولا يبيعُ أخاهُ حينَ تكونُ المحنُ
فلسطين — رايةُ الصمود
أنا فلسطينُ... والقدسُ في دمي
والزيتونُ شاهدُ صبرِنا الأزلي
في كلِّ حجرٍ قصةٌ لم تنتهِ
وفي الترابِ وصيةُ الأجيالِ
أنا لا أساومُ في ترابِ كرامتي
فالحقُّ أبقى منْ جراحِ المحتلِّ
إنْ كانَ للعربِ قلبٌ نابضٌ
فالقدسُ نبضُ القلبِ... لا تتبدّلُ
مصر — رايةُ العطاء
أنا مصرُ... والنيلُ يجري في دمي
والضادُ في صوتي لها أهرامُ
في طينِ وادي النيلِ قامتْ حضارةٌ
شهدتْ لها الدنيا، وشهدَ زمانُ
أعطي، وفي كفّي منَ التاريخِ ما
يكفي ليبقى في المدى عنوانُ
أنا مصرُ... إذا نادى العروبةَ نيلُها
لبّى صدى التاريخِ: هذي أمُّنا
السودان — رايةُ الكرامة
أنا السودانُ... والكرامةُ مهجتي
والنيلُ بينَ ضلوعيَ الشريانُ
في أرضِنا خُلُقُ المروءةِ روضةٌ
والضيفُ عندَ بيوتنا سلطانُ
منْ طيبةِ الأجدادِ جئتُ مرفرفًا
وبكلِّ شبرٍ للوفاءِ مكانُ
أنا السودانُ... إنْ تنادى إخوتي
كنتُ النداءَ... وكانَ مني الأمانُ
ليبيا — رايةُ الإباء
أنا ليبيا... والإباءُ قصيدتي
والصحراءُ تحفظُ سرَّ عزمي في دمي
منْ عمرِ مختارٍ ورثتُ كرامتي
فالنسرُ لا يرضى الحياةَ بلا ذُرى
حرٌّ أنا، والريحُ تعرفُ أنني
لا أستبدلُ بالعزيمةِ موطني
إنْ ضاقَ دربي قلتُ: يكفيني بأنْ
في القلبِ عزمُ الأحرارِ لا ينهزمُ
تونس — رايةُ الفكر
أنا تونسُ... والفكرُ مشعلُ مهجتي
وقرطاجُ في أعماقِ روحي موطنُ
أعطيتُ للحريةِ معنىً خالدًا
وبنورِ علمي في المدى أستبصرُ
فيَّ الثقافةُ لا تزالُ منارةً
وبها إلى آفاقِ غدٍ أعبرُ
أنا تونسُ... إنْ تحرّرَ فكرُنا
تحرّرَ الإنسانُ... واستعلى الوطنُ
المغرب — رايةُ الأصالة
أنا المغربُ... والأصالةُ رايتي
وفاسُ العريقةُ في دمي جدرانُ
منْ مراكشٍ حتى الرباطِ حضارةٌ
تروي لنا ما خطَّهُ الأزمانُ
فيَّ التقاليدُ العريقةُ روضةٌ
والضادُ في أرجائي لها بستانُ
أنا المغربُ... بوابةٌ عربيةٌ
فيها منَ التاريخِ ألفُ بيانِ
موريتانيا — رايةُ الشعر
أنا موريتانيا... القصيدُ عباءتي
والبيدُ تحفظُ للقصائدِ شانَها
في خيمةِ الصحراءِ يولدُ شاعرٌ
ويصونُ لغةَ الضادِ في ميدانِها
أرضُ المرابطينَ، وفي صمتِ المدى
حِكمٌ تلوحُ كأنها نجمانِ
أنا موريتانيا... إذا نطقَ القصيدُ
رأيتَ في صحراءِنا ديوانَنا
جيبوتي — رايةُ الوصل
أنا جيبوتي... عندَ بابِ بحرِنا
يقفُ المدى، وتلتقي الشطآنُ
جسرٌ على بابِ البحارِ، ومرفأٌ
تتلاقى عندَ ضفافِهِ الأزمانُ
صغرَتْ بلادي في المساحةِ، إنما
كبرتْ مكانًا في المدى ومكانَها
أنا حلقةٌ في عقدِنا العربيِّ
لا ينفصلْ... ما دامَ فينا نبضُنا
الصومال — رايةُ الشموخ
أنا الصومالُ... والبحرُ يعرفُ عزّتي
والساحلُ الممتدُّ لي عنوانُ
فيَّ الشموخُ، وفي المروءةِ نخوةٌ
وعلى جبيني منْ كرامتنا أمانُ
مهما تلاطمتِ الأمواجُ حولَ شواطئي
تبقى إرادتيَ التي لا تستكانُ
أنا الصومالُ... لا يلينُ عزيمتي
موجٌ، ولا تعصفْ بيَ الأحزانُ
جزرُ القمر — رايةُ المحبة
أنا جزرُ القمرِ... والجزرُ التي
زيّنتْ المحيطَ كأنها ريحانُ
بعيدةُ الدارِ، القريبةُ روحُها
منْ كلِّ قلبٍ للعروبةِ صانُ
فيَّ الجمالُ، وفي المحبةِ موطنٌ
وبصفحةِ البحرِ ابتسمْ شطآنُ
أنا جزائرُنا الصغيرةُ، إنما
قلبي الكبيرُ لأمتي عنوانُ
الصحراء الغربية — رايةُ البيداء
أنا الصحراءُ الغربيةُ... رملُها
يحكي حكاياتِ البوادي والسنينْ
في البيدِ أفقٌ لا تحدُّ مداهُ
والريحُ تحفظُ سرَّها عبرَ السنينْ
رايةٌ فوقَ الرمالِ لها صدى
تحملُ منْ نبضِ العروبةِ ما يكونْ
أنا صمتُ صحراءٍ، ولكنْ في دمي
صوتٌ يقولُ: العزُّ لا يعرفُ السكونْ
مِنْ أَنَا... إِلَى نَحْنُ
والآنَ... لا تسألْ: لمنْ هذي الرايةْ؟
فكلُّ راياتِ العروبةِ رايتي
هذا جزائريٌّ... وذا سعوديٌّ
وذا مصريٌّ... وتلكَ ليبيّتي
هذا عراقيٌّ... وهذا تونسيٌّ
وهذا فلسطينيٌّ... تلكَ هويّتي
ما بينَ مشرقِنا ومغربِ أرضِنا
نبضٌ واحدٌ... وإنْ تعددتْ جهتي
لغتي واحدةٌ، وجرحي واحدٌ
وتاريخُنا في مهجتي... ووصيتي
إنْ كانَ كلُّ بلدٍ لنا رايةً
فالقلبُ يجمعُ كلَّ تلكَ رايتي
النِّدَاءُ الأَخِير
يا أمةَ العربِ التي في صدرِها
بحرٌ منَ التاريخِ لا يتراجعُ
أما آنَ أنْ نطوي دفاترَ فرقةٍ
ونعيدَ للإنسانِ فينا موضعَهُ؟
أما آنَ أنْ تصبحْ حدودُ بلادِنا
جسرًا لأخٍ، لا خندقًا ومضاجعُ؟
أما آنَ أنْ نزرعَ العلمَ الذي
يبني، وأنْ نحمي القرارَ ونصنعُ؟
نحنُ لا نريدُ إلغاءَ أوطانِنا
بل نريدُ منَ الأوطانِ ما يتكاملُ
نريدُ سوقًا للعلومِ وللعملِ
ونريدُ عقلًا عربيًّا لا يُستبدلُ
نريدُ أنْ يصبحْ العربيُّ لأخيهِ
سندًا، إذا اشتدَّ الزمانُ وأقبلُ
وفلسطينُ في القلبِ ليستْ قصيدةً
تُروى... ثم تُنسى حينَ يهدأُ مجلسُ
القدسُ ميزانُ الكرامةِ بيننا
وبها يُقاسُ صدقُنا... والموقفُ
فيا عربُ...
ارفعوا الراياتِ كلَّها في المدى،
ودعوا اختلافَ اللونِ لا يقتلْ أخوّةَ الدمْ.
ثلاثٌ وعشرونَ رايةً في المدى،
لكنْ إذا اجتمعتْ...
تسقطُ الحدودُ منَ القلوبِ.
وإذا تصافحتْ...
يصيرُ المستحيلُ ممكنًا.
وإذا توحّدتْ...
يعودُ للعربيِّ قرارهُ.
لا نريدُ أنْ نكونَ صدىً في عالمٍ
بل نريدُ أنْ نصنعَ الصدى والقرارْ.
لا نريدُ مجدًا نعلّقُهُ على
جدرانِ ماضينا ونبكي ما غبارْ.
نريدُ مجدًا قادمًا نصنعُهُ
بالعلمِ، بالعملِ، بالإرادةِ، بالنهارْ.
فإذا سألَ التاريخُ يومًا:
أينَ العربُ؟
قلنا:
هنا...
في الجزائرِ والسعوديةِ،
في مصرَ والعراقِ،
في الشامِ واليمنِ،
في المغربِ وتونسَ،
في ليبيا والسودانِ،
في الخليجِ والمحيطِ،
في فلسطينَ والقدسِ،
وفي كلِّ أرضٍ تنبضُ بالعروبةِ...
هنا نحنُ!
لا «أنا» بعدَ اليومِ...
نَحْنُ!
لا رايةٌ تعلو على رايةٍ...
بَلْ رَايَاتٌ تَتَعَانَقُ.
لا وطنٌ يكتملُ وحدَهُ...
بَلْ أَوْطَانٌ تَكْتَمِلُ بِبَعْضِهَا.
ثلاثٌ وعشرونَ رايةً...
وثلاثٌ وعشرونَ حكايةً...
لكنَّها حينَ تجتمعُ في القلبِ:
أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ.
ومنَ المحيطِ إلى الخليجِ
سيرتفعُ الصوتُ:
نَحْنُ العَرَبُ!
وسيكتبُ التاريخُ يومًا:
**هُنَا عَادَتْ أُمَّةٌ
كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً... فَاجْتَمَعَتْ.
**هُنَا رَفَعَ العَرَبُ رَايَاتِهِمْ
فَلَمْ تَعُدْ رَايَاتٍ مُتَفَرِّقَةً...
بَلْ صَارَتْ سَمَاءً وَاحِدَةً.
أنا لسانُ العربِ...
وإنْ سألوني:
منْ أنتَ؟
لن أقولَ:
جزائريٌّ فقط...
ولا سعوديٌّ...
ولا مصريٌّ...
ولا فلسطينيٌّ...
سأقولُ:
أَنَا عَرَبِيٌّ.
**وَأَرْضُ العَرَبِ كُلُّهَا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق