بِقَلَمِ الْكَاتِبِ: مَنْدَاسْ غَرِيسِي — الْجَزَائِر
لَا تَسْأَلْ كَمْ عَيْنًا رَأَتْكَ، بَلِ اسْأَلْ كَمْ قَلْبًا أَضَفْتَ إِلَيْهِ شَيْئًا مِنَ النُّورِ.
فَلَيْسَ الأَثَرُ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ اسْمَكَ، وَلَا أَنْ تَبْقَى صُورَتُكَ مُعَلَّقَةً فِي ذَاكِرَتِهِمْ؛ فَالصُّوَرُ تَبْهَتُ، وَالأَسْمَاءُ تَخْفُتُ، وَالذَّاكِرَةُ، مَهْمَا اتَّسَعَتْ، لَا تَسْتَوْعِبُ كُلَّ مَنْ مَرُّوا بِهَا.
الأَثَرُ شَيْءٌ آخَرُ.
أَنْ تَغْرِسَ فِي عَقْلِ إِنْسَانٍ سُؤَالًا لَمْ يَكُنْ يَجْرُؤُ عَلَى طَرْحِهِ.
أَنْ تَفْتَحَ لِمُتَعَلِّمٍ بَابًا كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُغْلَقٌ.
أَنْ تَمُدَّ يَدَكَ لِمَنْ كَادَ يَسْقُطُ، ثُمَّ تَمْضِي دُونَ أَنْ تُثْقِلَ عَلَيْهِ بِمِنَّةِ مَا فَعَلْتَ.
أَنْ تَقُولَ كَلِمَةً صَادِقَةً فِي وَقْتٍ كَانَ فِيهَا أَحْوَجَ إِلَيْهَا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ.
أَنْ تَكْتُبَ فِكْرَةً، فَيَقْرَؤُهَا شَابٌّ بَعْدَ سَنَوَاتٍ، فَتُغَيِّرَ اتِّجَاهَ خُطُوَاتِهِ، وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ.
هُنَا يَبْدَأُ الأَثَرُ.
فَأَنْتَ لَا تَعْرِفُ أَيْنَ سَتَذْهَبُ كَلِمَاتُكَ بَعْدَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْكَ، وَلَا أَيَّ طَرِيقٍ سَتَسْلُكُهُ فِكْرَتُكَ بَعْدَ أَنْ تُغَادِرَ قَلَمَكَ.
قَدْ تَنْسَى مَنْ عَلَّمْتَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ لَا يَنْسَاكَ.
وَقَدْ تَنْسَى كَلِمَةً قُلْتَهَا عَابِرَةً، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَبْقَى فِي دَاخِلِ إِنْسَانٍ سِنِينَ، حَتَّى تَأْتِيَ سَاعَةٌ يَكْتَشِفُ فِيهَا أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ تُعْطِيهِ كَلَامًا؛ بَلْ كُنْتَ تَضَعُ فِي يَدِهِ مِفْتَاحًا.
لِذَلِكَ، لَا تُهْدِرْ عُمْرَكَ فِي نَحْتِ تِمْثَالٍ لَكَ فِي عُيُونِ النَّاسِ؛ ابْنِ حَقِيقَةً تَبْقَى فِي نُفُوسِهِمْ بَعْدَ أَنْ تَرْحَلَ.
عَلِّمْ.
اُكْتُبْ.
أَصْلِحْ.
ارْفَعْ مَنْ أَعْيَاهُ الطَّرِيقُ.
وَازْرَعْ فِي الدَّرْبِ مَا يَجْعَلُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ أَقْدَرَ عَلَى مُوَاصَلَتِهِ.
فَأَعْظَمُ مَا تَتْرُكُهُ خَلْفَكَ لَيْسَ مَالًا يُقْسَمُ، وَلَا بَيْتًا يُورَثُ، وَلَا اسْمًا يُنْقَشُ عَلَى حَجَرٍ.
إِنَّهُ إِنْسَانٌ أَصْبَحَ أَفْضَلَ لِأَنَّكَ مَرَرْتَ فِي حَيَاتِهِ.
وَفِكْرَةٌ أَضَاءَتْ عَتْمَةً لِأَنَّكَ كَتَبْتَهَا.
وَخَيْرٌ اسْتَمَرَّ لِأَنَّكَ كُنْتَ سَبَبًا فِي بَدَايَتِهِ.
هَذَا هُوَ الأَثَرُ.
أَنْ تَغِيبَ أَنْتَ، وَيَبْقَى مِنْكَ شَيْءٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْمِكَ كَيْ يَسْتَمِرَّ.
فَلَا تَسْعَ أَنْ يُقَالَ: «مَرَّ مِنْ هُنَا.»
بَلِ اجْعَلْ مَنْ مَرَّ بِكَ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَ.
فَحِينَئِذٍ، لَنْ يَكُونَ أَثَرُكَ ذِكْرَى تُرْوَى، بَلْ حَيَاةً تُوَاصِلُهَا أَيْدٍ لَمْ تَلْمَسْهَا، وَأَجْيَالٌ لَمْ تَرَكَ، وَلَكِنَّهَا عَاشَتْ شَيْئًا مِنْ خَيْرِكَ.
فَالصُّوَرُ تُنْسَى، وَالأَسْمَاءُ تَخْفُتُ، أَمَّا مَا غَرَسْتَهُ فِي إِنْسَانٍ، فَقَدْ يَكْمُلُ نُمُوُّهُ بَعْدَ أَنْ تَرْحَلَ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق