السبت، 12 سبتمبر 2026

تاريخ حيازة الأراضي بقلم فؤاد زاديكي

تاريخ حيازة الأراضي وتطوّر الملكيّة العقاريّة في سوريّة والأناضول: من العهد العثماني إلى الانتداب الفرنسي

بقلم الباحث فؤاد زاديكي

لفهم تاريخ ملكيّة الأراضي في سوريّة وتركيا، ولا سيّما في المناطق الريفيّة والحدوديّة مثل الجزيرة السوريّة (الحسكة والقامشلي وديريك وعامودا والدرباسية وغيرها)، يجب أوّلًا التخلّص من فكرة بسيطة لكنّها قد تكون مُضلّلة، وهي أنّ الأرض كانت دائمًا مَملوكة لشخص مُعيّن، وأنّ وجود «طابو» باسمه يعني تلقائيًّا أنّه كان يملك الأرض بالمعنى الحديث نفسه. فالنّظام العقاريّ العثمانيّ كان أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، وكانت هناك مسافة قانونيّة بين ملكيّة رقبة الأرض وبين حقّ التصرّف والانتفاع بها، كما كانت هناك مسافة أخرى بين ما تقوله الوثيقة الرسميّة وبين ما يحدث فعليًّا على الأرض.
في الدولة العثمانيّة وُجِدت عدّة أنواع قانونيّة للأراضي، أهمّها أراضي المُلك (mülk)، وهي أقرب إلى الملكيّة الخاصّة الكاملة؛ وأراضي المِيري (mîrî)، وهي الأراضي التي بقيت رقبتها للدولة، بينما كان للأفراد حقّ التصرّف والانتفاع بها وفق شروط مُعيّنة، وأراضي الوقف، والأراضي المَتروكة للاستعمال العامّ، والأراضي المَوَات. وقد أصبح هذا التقسيم أكثر انتظامًا مع قانون الأراضي العثمانيّ لسنة 1858، الذي حاول توحيد قواعد الأراضي في أنحاء الدولة وتعزيز قُدرة الحكومة على التّسجيل والجباية والإشراف. وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمّيّة: الذي كان يحمل الطابو على أرض مِيرِيّة لم يكن بالضرورة مالكًا للرقبة مثل مالك العقار الخاصّ اليوم. كان يستطيع أن يزرع الأرض وينتفع بها، وينقل حقّ التصرّف فيها ضمن القواعد القانونيّة، وينقلها إلى ورثته في حالات كثيرة، لكنّ الرّقبة القانونيّة كانت للدولة. ولذلك فإنّ عبارة «فلان كان يملك عشرة آلاف دونم في العهد العثمانيّ» تحتاج إلى سؤال إضافي: هل كان يملكها ملكيّة مُلك؟ أم كان صاحب حقّ تصرّف في أرض مِيريّة؟ أم كان يُسيطر عليها فعليًّا دون تسجيل كامل؟ أم أنّ الملكيّة اللاحقة جرى بناؤها على تلك الحِيازة؟ وهذا التفريق يصبح أكثر أهمّيّة عندما نتحدّث عن نشوء الملكيات الكبيرة.
قبل إصلاحات القرن التاسع عشر، لم يكن النظام العقاريّ العثمانيّ قائمًا على سجلّ حديث شامل يُحدّد كلّ قطعة أرض بدقّة كما في السجلات العقاريّة الحديثة. كانت الحقوق تثبت بوسائل متعدّدة: سندات، حجج شرعية، أحكام محاكم، فرمانات وأوامر إداريّة، عقود بيع، وسجلّات مختلفة، كما كان للسِباهي والملتزمين وبعض المسؤولين المحلّيين دور في إصدار أو توثيق بعض سندات الأراضي المِيريّة. وتُظهِر الدراسات المتعلقة بالطابو العثماني أنّ سندات الأراضي المِيرِيّة كانت قبل 1858 قد تصدر عن وسطاء محلّيّين، بينما أصبحت بعد الإصلاحات أكثر ارتباطًا بـ "دفترخانة الخاقاني" والجهاز المركزي لتسجيل الأراضي. وهذا يعني أنّ الدولة العثمانيّة لم تكن تملك بالضّرورة منذ البداية سِجلًّا دقيقًا يقول: «هذه القطعة مساحتها كذا، وحدودها كذا، ومالكها فلان». بل كانت هناك طبقات من الحقوق والسجلّات والحيازات والعادات المحلّيّة. وفي بعض المناطق كانت السلطة الفعليّة على الأرض أهمّ بكثير من الوثيقة المركزيّة، ولا سيّما حيث كانت الدولة بعيدة إداريًّا عن الريف أو البادية.
ومن هنا يأتي دور الأعيان وشيوخ القبائل وكبار مُلّاك الأراضي والملتزمين والمسؤولين المحلّيين. لا ينبغي أن نفهم هذا الدور بطريقة مُبسطة، وكأنّ السلطان كان يجلس ويوزّع الأراضي على أنصاره بمجرّد أن يكونوا مُوالين له، بل كان الأمر أكثر تعقيدًا. فقد يستطيع شخص نافذ أن يحصل على حقّ قانونيّ في أرض، أو أن يشتري حقوق التصرّف من أصحابها، أو أن يَرِثها، أو أن يضمّ إليها أراضي أخرى عن طريق الديون، أو أن يستفيد من علاقته بالإدارة، أو أن يثبت لنفسه حقًّا كان موضع نزاع، أو أن يُسجّل باسم نفسه أرضًا كان الفلاحون يستعملونها منذ أجيال. ولهذا فإنّ النفوذ السياسيّ والعشائريّ لا يعني بالضرورة أنّ الملكيّة غير قانونيّة، ولكنّه قد يكون العامل الذي مكّن شخصًا مُعيّنًا من الوصول إلى الملكية أو التسجيل أكثر من غيره.
ومن ناحية أخرى، يجب ألّا نغفل وجود الاستيلاء غير القانونيّ والتلاعب. فحتى النظام العثمانيّ نفسه كان يعرف مشكلات تتعلّق بالاستيلاء على الأراضي المِيرِيّة، والتّعدّي على أراضي الدولة، والتسجيل غير الصّحيح، والنزاعات على الحدود والحقوق. وقد كان قانون 1858، في جانب منه، محاولة لوضع قواعد أكثر انتظامًا لمواجهة هذا النّوع من الفوضى وتحويل العلاقة بين الدولة والأرض إلى علاقة أكثر قابليّة للتسجيل والجباية. وتُشير نصوص قانون الأراضي نفسها إلى وجود دعاوى واحتيالات مُتعلّقة بالأراضي المِيرِيّة، وإلى تدخّل موظّفي الطابو والإدارة في المنازعات العقاريّة.
وبالتالي يُمكن أن تنشأ ملكية كبيرة من عدّة طرق مختلفة. قد يبدأ الأمر بأرض مِيرِيّة يستعملها فلّاح أو عشيرة، ثم يحصل أحد الأعيان على حقّ التصرّف فيها. وقد يشتري هذا الشّخص أراضي مجاورة، أو يقرض الفلاحين المال ثم يحصل في مقابل الديون على حقوق في الأرض، أو يَرِث مجموعة من الأراضي. وقد تقوم الإدارة بتسجيل مساحات كبيرة باسمه عندما يكون صاحب نفوذ وقادرًا على التّعامل مع الجهاز الإداريّ. وقد تكون هناك في حالات أخرى أراضٍ كانت تحت سيطرته العشائريّة أو العرفيّة، ثم تتحوّل في مرحلة لاحقة إلى ملكيّة مسجلة رسميًّا.
وهنا نصل إلى قانون الأراضي العثماني لعام 1858، الذي يُمثّل نقطة تحوّل كبرى. فالقانون لم يكن مجرّد قانون «لتوزيع الأرض»، بل كان محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والأرض وصاحب الحقّ فيها. وأصبح التسجيل أكثر أهمّيّة، وارتبطت المعاملات العقاريّة بسجلّات رسميّة أكثر انتظامًا، وأصبحت سندات الطابو الجديدة مرتبطة بالجهاز المركزيّ للدولة. وكان سجلّ كلّ قضاء يحفظ عمليات الانتقال والإرث والتنازل، وتُرسَل بعض المستندات إلى دفترخانة الخاقاني. ولكنّ المُفارقة التاريخيّة أنّ زيادة التنظيم القانوني لم تمنع تركّز الأرض في أيدي الأقوياء، وفي بعض المناطق ساعدت الظروف الاجتماعيّة والسياسيُة على حدوث ذلك. فالفلاح الذي لا يعرف إجراءات التسجيل، أو يخشى الضّرائب، أو لا يملك المال، أو لا يستطيع الذهاب إلى الإدارة، كان في وضع أضعف من الشيخ أو الإقطاعي أو التاجر أو الموظف الكبير الذي يستطيع التعامل مع جهاز الدولة. وبالتالي فإنّ الانتقال من نظام عُرفيّ غير مكتوب بصورة كاملة إلى نظام مكتوب ومسجّل لم يكن بالضّرورة مُحايدًا اجتماعيًّا، ومن هنا يُمكن أن نفهم لماذا تظهر في بعض المناطق ملكيات كبيرة جدًّا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
لكن يجب أن نكون حذرين جدًّا عند الانتقال إلى سورية، وخصوصًا الجزيرة السورية. فالحسكة والقامشلي وديريك وما حولها ليست حالة مُطابقة لحلب أو دمشق أو حمص. ففي أجزاء واسعة من الجزيرة العليا كان نمط الاستقرار الزراعي مختلفًا، وكانت القبائل البدويّة وشبه البدويّة تلعب دورًا مُهمًّا في السّيطرة على الأرض والتنقّل والرّعي والأمن المحلّي. لذلك قد تكون هناك أرض لا تحمل في الوعي المحلّي معنى «قطعة يملكها فلان» بقدر ما كانت منطقة نُفوذ قبلي أو مجالًا للرعي أو الحيازة والاستعمال. وكانت الدولة العثمانية تتعامل مع زعماء القبائل وشيوخها باعتبارهم وسطاء مُهمّين في ضبط الأمن وجمع الضرائب والتعامل مع القبائل. وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني، زادت أهمّية بعض زعماء القبائل في إطار سياسات الدولة تجاه العشائر، ومن ذلك تجربة الفرق الحميديّة في المناطق الشرقيّة. لكن من الخطأ تحويل هذه الحقيقة إلى قاعدة تقول: كلّ شيخ موالٍ للدولة حصل تلقائيًّا على آلاف الدونمات كمنحة ملكية، هذا يحتاج في كلّ حالة إلى وثيقة محدّدة.
فإذا وجدت رواية عائلية تقول إنّ جدّ العائلة كان شيخًا أو زعيمًا قبليًّا، وإنّ الدولة العثمانية «أعطته» منطقة واسعة، فهذه الرواية لا تكفي وحدها لإثبات الملكيّة. يجب أن نسأل: هل تُوجد وثيقة عثمانيُة؟ هل يوجد طابو؟ هل الأرض مِيرِي أم مُلك؟ هل هناك فرمان أو قرار إداريّ؟ هل يوجد تسجيل في الدفتر؟ هل توجد حجّة شرعيّة؟ أم أنّ الرواية تعني في الحقيقة أنّ الشيخ كان صاحب نفوذ وسيطرة فعليّة على المنطقة، ثمّ جاءت دولة لاحقة وحوّلت تلك السيطرة إلى ملكيّة مُسجّلة؟ وهذا السؤال الأخير بالغ الأهميّة في الجزيرة السورية، لأنّ جزءًا كبيرًا من تاريخ الملكية الحديثة فيها لم يُحسَم نهائيًّا في العهد العثمانيّ أصلًا.
فعندما انتهت الدولة العثمانية سنة 1918، لم تنتقل سورية ببساطة من «طابو عثماني» إلى «طابو سوري». إذ دخلت البلاد مرحلة جديدة تحت الانتداب الفرنسي، وأعيد تنظيم الإدارة العقاريّة بصورة عميقة. وتُشير الوثائق الفرنسيّة نفسها إلى أنّ النظام العقاريّ الموروث من العهد العثمانيّ كان يعاني من تعدّد القواعد، وضَعف تحديد الحدود، ونقص تسجيل الحقوق بصورة تضمن الدقّة والأمان القانوني. ولذلك أُنشئت إدارة المَسح العقاريّ لتنفيذ عمليات الإحصاء والمسح وتحديد الملكيات والحدود.
ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة تمامًا. ففي عام 1923 بدأت ترتيبات جديدة لإدارة الطابو والمسح العقاريّ، ثم صدرت في عام 1926 القرارات الأساسية المتعلّقة بتحديد العقارات ومسحها وتسجيلها، ومنها القرارات 186 و187 و188 و189، ثم صدر قانون الملكيّة أو التشريع العقاريّ سنة 1930 لتعزيز التسجيل العقاريّ الإلزاميّ وتنظيم الملكيّة الحديثة. وهذه المرحلة مهمّة جدًّا بالنسبة إلى الجزيرة، لأنّ الفرنسيين كانوا يعملون في الوقت نفسه على توطين السكان، وتشجيع الزراعة، وإعادة تنظيم المناطق القبلية، وزيادة الأراضي المزروعة، وتثبيت السكان والحدود والإدارة. ولذلك فإنّ السؤال عن ملكيّة أرض في القامشلي أو الحسكة وديريك لا يمكن أحيانًا أن يجد جوابه الكامل في دفتر عثماني من القرن التاسع عشر، بل قد يكون المفتاح الحقيقي في السجلّات والمُسُوح العقاريّة الفرنسيّة في العشرينيّات والثلاثينيّات.
وهنا تظهر إحدى أهمّ النتائج التي ينبغي الاحتفاظ بها عند دراسة أي ملكيّة كبيرة في الجزيرة: قد تكون السيطرة على الأرض عثمانيّة، لكنّ الملكيّة القانونيّة الحديثة فرنسية الانتداب. أي أنّ شيخًا أو زعيمًا أو عائلة قد تكون تتمتّع بنفوذ وحيازة واسعة في أواخر العهد العثماني، ثم يأتي المسح الفرنسي، وتُرسَم الحدود، وتُسَجّل الأراضي باسم ذلك الشخص أو أفراد عائلته، فتتحوّل الحيازة والنفوذ القديمان إلى ملكيّة عقاريّة حديثة قابلة للإرث والبيع والرهن. وهذا يفسّر لماذا لا يكفي أحيانًا أن نجد وثيقة عثمانيّة تقول إنّ فلانًا كان صاحب حقّ أو مُتصرّفًا في أرض ما، بل يجب أن نبحث عما حدث لهذه الأرض بين 1918 و1930 وبعدها.
وقد كان لذلك أثر كبير في الجزيرة. فالدراسات المتعلّقة بالملكيّة الزراعيّة في الجزيرة السوريّة تُشير إلى أنّ عمليّة تسجيل الأراضي خلال الانتداب ساهمت في ظهور شيوخ قبائل وأعيان كمالكين لمساحات زراعية كبيرة. وفي الوقت نفسه لم يكن المَسح شاملاً بسرعة، فبحلول 1938 كانت نسبة محدودة فقط من الأراضي السوريّة قد خضعت للمَسح والتسجيل الكامل، الأمر الذي يعني أنّ الانتقال إلى نظام الملكيّة العقاريّة الحديثة كان تدريجيًّا وغير مُكتمل.
وهنا تظهر حالة القامشلي بصورة خاصّة. فالمدينة الحديثة لم تكن ببساطة «قرية عثمانية قديمة» تحوّلت إلى مدينة، وإنّما تشكّلت في سياق جديد من ترسيم الحدود السوريّة–التركيّة، وسياسات الانتداب، والاستقرار السكاني، وتطوير الزراعة وإنشاء قُرى ومزارع ومستوطنات جديدة. لذلك فإنّ الأراضي التي أصبحت لاحقًا ضمن مدينة القامشلي أو حولها يمكن أن يكون تاريخها مُختلفًا جذريًّا عن تاريخ أرض زراعيّة قديمة في ريف حلب مثلًا.
ومن ثم، إذا أخذنا مثالًا افتراضيًا لعائلة في ديريك أو القامشلي تقول إنّ جدّها كان يمتلك خمسة آلاف أو عشرة آلاف أو عشرات آلاف الدونمات، فلا يجوز أن نبدأ بالقول: «إذن الدولة العثمانية منحته هذه الأرض»، بل يجب أن نبني سلسلة الملكية خطوة خطوة: أولًا، مَنْ كان يستعمل الأرض في أواخر العهد العثماني؟ 
ثانيًا، ما التصنيف القانوني للأرض؟ مِيرِي؟ مُلك؟ وَقف؟ مَتروكة؟ مَوَات؟ 
ثالثًا، هل كان هناك طابو عثمانيّ فعلًا؟ وإذا كان موجودًا، باسم مَنْ؟ 
رابعًا، هل كان الشخص صاحب ملكيّة كاملة أم مجرّد صاحب حقّ تَصَرّف في أرض مِيرِيّة؟ 
خامسًا، هل انتقلت الأرض إليه بالشراء، أو الإرث، أو التنازل، أو المنحة، أو قرار إداري، أو نتيجة نزاع؟ سادسًا، ماذا حدث بعد سقوط الدولة العثمانيّة؟ 
سابعًا، عندما بدأ الفرنسيون المَسح العقاريّ، باسم مَنْ سُجِّلت الأرض؟ 
ثامنًا، هل كانت المساحة المسجّلة مُساوية للمساحة التي كان الشخص يسيطر عليها فعليًّا؟ 
تاسعًا، هل حصلت اعتراضات من الفلاحين أو القبائل أو القرى المجاورة؟ عاشرًا، كيف انتقلت المُلكية من السجلّ الفرنسيّ إلى السجلّ العقاريّ السوريّ لاحقًا؟
بهذه الطريقة يُمكن أن نُميّز بين ثلاث حالات مختلفة تمامًا. الحالة الأولى هي ملكية قانونيّة حقيقيّة: شخص حصل على حقّ التصرّف أو الملكيّة بطريقة قانونيّة، وسُجِّلت الأرض باسمه، ثم انتقلت إلى ورثته. والحالة الثانية هي تحوّل النفوذ والحيازة إلى مُلكية: شخص لم يكن بالضرورة مالكًا كاملًا لكلّ الأرض في الأصل، لكنّه كان صاحب نُفوذ عشائريّ أو إداريّ، ثم سمحت له ظروف التسجيل والمَسح بأن تُصبح مساحات واسعة باسمه قانونيًّا. والحالة الثالثة هي الاستيلاء أو التلاعب: شخص يستولي على أرض الغير أو أرض الدولة، أو يسجّلها بطريقة غير مشروعة، أو يستغلّ ضعف أصحابها أو جهلهم بالإجراءات، ثم يحصل لاحقًا على وثيقة رسمية. وفي هذه الحالة لا يعني وجود الطابو أنّ الطريقة التي نشأ بها الحقّ كانت سليمة بالضّرورة.
وهذه نقطة قانونيّة وتاريخيّة بالغة الأهميّة: الوثيقة الرسميّة تُثَبِّت وضعًا قانونيًّا في لحظة مُعيّنة، لكنّها لا تُخبرنا وحدها كيف نشأ ذلك الوضع. فإذا وجدت اليوم طابوًا فرنسيًّا أو عثمانيًّا باسم شخص ما، فإنّ السؤال التاريخي ليس فقط: «هل الطابو حقيقيّ؟»، بل أيضًا: «على أيّ أساس صَدر؟ وما الوثيقة السابقة التي اعتمد عليها؟ ومَنْ كان يشغل الأرض قبل تسجيلها؟ وهل اعترض أحد؟» وهنا يُصبح الفرق بين صحّة الوثيقة وصحّة أصل الحقّ ضروريًّا. قد يكون الطابو أصليًّا تمامًا، صادرًا عن إدارة رسمية، مَختومًا ومُسجّلًا، ومع ذلك تكون القضيّة التاريخية المُثيرة للاهتمام هي: كيف وصل هذا الشخص إلى الحقّ الذي سجلته الإدارة باسمه؟ وبالمقابل قد تكون عائلة ما تمتلك وثيقة عثمانيّة قديمة جدًّا، لكنّها لا تُثبت بالضرورة أنّها كانت تملك المساحة نفسها التي أصبحت مُسجّلة باسمها بعد ثلاثين أو أربعين سنة، لأنّ الحدود والمساحة والتصنيف القانونيّ للأرض ربّما تغيّرت.
لذلك فإنّ تاريخ الأرض في سورية والأناضول لا ينبغي أن يُكتَب باعتباره قصّة «مَن أعطى الأرض لِمَنْ»، بل باعتباره سلسلة من التحوّلات في معنى الحقّ على الأرض: حيازة عُرفيّة، ثم نُفوذ محلّيّ أو قبليّ، ثم حقّ تصرّف عثماني، ثم طابو أو حجّة أو سجل، ثم سقوط الدولة العثمانية، ثم مَسح فرنسيّ، ثم تسجيل عقاري حديث، ثم انتقال بالإرث والبيع، وأخيرًا مُلكيّة سوريّة حديثة. وفي بعض الحالات قد تبدأ السلسلة من منحة أو قرار سلطاني، وفي حالات أخرى من شراء، وفي حالات ثالثة من حيازة قبلية، وفي حالات رابعة من استيلاء أو تسجيل مُتنازع عليه.
ولهذا فإنّ عبارة «العثمانيون أعطوا فلانًا الأرض لأنّه كان مُواليًا لهم» قد تكون صحيحة في حالة مُعيّنة، لكنّها لا يُمكن أن تُصبح تفسيرًا عامًّا لكلّ المُلكيّات الكبيرة. وبالمثل فإنّ القول إنّ «الفرنسيين أعطوا شيوخ القبائل الأراضي» يحتاج إلى تفصيل، فقد يكون ما حَدَث في بعض الحالات تسجيلًا لحقوق قائمة، وفي حالات أخرى تخصيصًا أو إعادة تنظيم، وفي حالات أخرى تثبيتًا لواقع سياسيّ واجتماعيّ كانت له جذور عثمانيّة أو قبل عثمانيّة. والأمر نفسه ينطبق على تركيا بعد سقوط الدولة العثمانيّة: فالجمهوريّة التركيّة ورثت شبكة ضخمة من السجلات والحقوق العقاريّة، ثم أعادت تنظيمها ضمن نظام الدولة الحديثة. لذلك فإنّ البحث في أصل ملكيّة أرض كبيرة في الأناضول يجب أيضًا أن يُميّز بين ملكية عثمانيّة، وحقّ تصرّف مِيرِي، وتسجيل متأخّر، وتسوية عقاريُة جمهوريّة.
وبهذا المعنى فإنّ الطابو ليس بداية القصّة، بل غالبًا هو إحدى حلقاتها. القصّة الحقيقيّة تبدأ قبل الطابو: مَنْ كان على الأرض؟ ومَنْ كان يستعملها؟ ومَنْ كانت له السّلطة عليها؟ ومَنْ كان يدفع الضريبة؟ ومَنْ كان يستطيع الوصول إلى الإدارة؟ ثم يأتي السؤال عن الوثيقة: مَنْ أصدرها؟ وبأيّ صلاحيّة؟ وعلى أيّ أساس؟ وبعد ذلك يجب متابعة الوثيقة عبر الزمن: هل انتقلت بالإرث؟ هل بِيعت؟ هل قُسِمت؟ هل أعيد مَسحها؟ هل تغيّرت حدودها؟ هل سُجِّلت من جديد في عهد الانتداب؟
ومِنْ هنا، إذا أردنا دراسة الحسكة وديريك والقامشلي والحركة وعامودا والدرباسية والقرى المحيطة بها دراسة جادّة، فإنّ أفضل طريقة ليست البحث عن «وثيقة واحدة تثبت أنّ فلانًا كان يملك المنطقة»، وإنّما بناء سلسلة ملكيّة تاريخيّة لكلّ مجموعة أراضٍ، تبدأ من أواخر العهد العثمانيّ، ثم تمرّ بمرحلة 1918–1923، ثم المَسح والتسجيل الفرنسي في عشرينيّات وثلاثينيّات القرن العشرين، ثم السجلّ العقاريّ السوريّ. وهذا مهمّ خصوصًا لأنّ الإدارة الفرنسيّة نفسها كانت ترى أنّ النظام العقاريّ العثمانيُ الموروث لا يُوفّر في مناطق كثيرة حدودًا ثابتة وضمانات تسجيل حديثة كافية، ولذلك كان مشروع الكادستر والمَسح العقاريّ جزءًا أساسيًّا من إعادة بناء النظام العقاريّ.
والخلاصة الأهمّ هي أنّ المُلكيّة الكبيرة لا تعني بالضّرورة «منحة»، والطابو لا يعني بالضرورة أنّ أصل الحقّ كان بلا نزاع، وغياب الطابو العثمانيّ لا يعني بالضرورة أنّ الأرض لم تكن لصاحبها حقًّا بل يجب تتبّع تطوّر الحقّ عبر الزمن. وهذا هو المدخل الذي يسمح لنا بفهم حالات الجزيرة السورية تحديدًا دون الوقوع في أحد طرفين: لا أن نصدّق كلّ رواية عائليّة عن «منحة عثمانية» باعتبارها حقيقة مكتملة، ولا أن ننكرها لمجرّد عدم وجود طابو عثمانيّ ظاهر، بل نبحث عن السلسلة الوثائقيّة والإداريّة والاجتماعيّة التي حوّلت الحيازة والنفوذ إلى ملكيّة مُسجّلة.
وفي حالة الحسكة خصوصًا، قد يكون السؤال الأكثر إثارة ليس: «هل أعطى العثمانيون هذه الأرض لفلان؟»، بل: ما الذي كان يملكه أو يسيطر عليه فلان فعلًا عند نهاية العهد العثمانيّ، وما الذي اعترفت له به الإدارة الفرنسيّة عندما قامت بالمَسح والتسجيل، وكيف تحوّلت تلك المساحة بعد ذلك إلى ملكيّة عقاريّة سوريّة؟ فهذا السؤال وحده يمكن أن يكشف الفرق بين الملكيّة الأصليّة، وحقّ التصرّف، والحيازة العشائرية، والنفوذ السياسيّ، والتسجيل الإداريّ، والاستيلاء، والملكيّة العقاريّة الحديثة. وهو الإطار الأدقّ لفهم تاريخ الأراضي في سوريّة وتركيا من العهد العثماني إلى عهد الانتداب ثم الدولة الحديثة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

تقولينَ (7) بقلم أسامة مصاروه

تقولينَ (7) تقولينَ كم مرّتْ مآسٍ على شعبي لمْ نرَ أو نسمعْ سِوى خُطَبِ الشجبِ فحكامُنا لا يُحْسِنونَ سوى السلبِ بَلِ القَتْلِ إنْ لمْ يكْتف...