الخميس، 11 أغسطس 2022

من كتاب حكايات حارة شميس بقلم سمير عبدالعزيز

 من كتاب حكايات حارة شميس

سمير عبد العزيز

أبدان متعبة ونفوس كسيرة.... فى غالبيتهم فقراء يكافحون من أجل البقاء ... ملامح وتضاريس وجوههم واحدة ..تعكس نفس الشقاء والتعب والأمانى والأحلام والأمل فى غد يجلب معه الفرج وصلاح الحال.

- أم جلال

على الرغم من كثرة التجاعيد التى نحتها الزمن بكل آهاته وأوجاعه على وجهها الا اننا لم نعهدها الا عجوز قوية صامدة..... تقيم فى حجرة أسفل بئر السلم فى منزل قديم بالحارة تضم مرتبة متهالكة ووسادتين ولحاف قديم وعلى طاولة خشبية صغيرة بجوار رقدتها توجد بعض أغراضها ..وعلى الحائط لصقت صور منزوعة من أحدى المجلات للكعبة المشرفة ولفظ الجلالة وصورة لجمال عبد الناصر.

لم يزرها أو يسأل عنها أحد .. كانت تقتات من بيع الترمس والمكرونة لأطفال الحارة من بعد العصر وحتى آذان العشاء ومساعدات تأتيها من هنا أو هناك

فى عصر أحد الأيام كنت عائدا الى المنزل وجدت عربة نقل الموتى تقف على باب الحارة .. و نعش محمول على الأكتاف ... وخلفه نساء الحارة يبكين و يرددن مع السلامة يا أم جلال.

كراره

عندما ساقتنىي قدماي الى شارع سيدى اسماعيل فى معية أمي ... رأيت لأول مرة كراره...طفل يافع...يساعد أمه فى بيع الخضروات ويجلب لها البضاعة .. وبمرور الوقت تكررت رؤيتي له....وأمسى اسمه يتردد على كل الألسنة فضلا عن مناداة أمه بأم كراره....وتمضي السنوات ويعاودني الحنين الى ذكريات الحارة وأيام الطفولة والصبا ...أجلس على مقهى سمارة فى شارع سيدي اسماعيل والذى يقع على بضع خطوات من حارة شميس أشاهد البيوت وأحدق فى الوجوه ...يقع بصري على وجه كراره ...لم تستطع السنين طمس ملامحه ... وأفلحت في وهن خطواته ...فبدى عجوزا يجر وراءه أيام التعب والشقاء.

فلفل

لانعرف له أسما الا فلفل... ..فتى يا فع يعمل نادلا فى مقهى المعلم سمارة المطلة على شارع سيدي اسماعيل والقريبة من حارة شميس ...به حول فى عينيه ...متوسط الطول ..خمري البشرة ...يقدم للزبائن المشروبات والشيشة ...ويلبي طلبات اصحاب المحال المجاورة من المشروبات ...تمضي السنوات ويدفعني الحنين الى رؤية حارة شميس والتجوال فى شارع سيدي اسماعيل والحارات المتفرعة منه ..اجلس على مقهى سماره ..ويطالعني فلفل بوجهه الذى الفته من سنين مضت بيد أن الزمن أفلح فى ترك أثاره على تضاريس وجهه فبدى كهلا يستمد قوته من رغبته فى الحياة .

أم سعيد

فى الصباح الباكر تخرج من منزلها حاملة فوق رأسها اناء كبير من الالمونيوم يحتوي على عجين لقمة القاضى ( الزلابيه ) يتبعها ابناؤها الصغار ابراهيم وزينب حاملين موقد الجاز وقراطيس ورقية وبعض الاغراض الاخرى ...على باب الحارة كانت جلستها ..تشعل الموقد وتبدأ في صنع لقمة القاضى ...يقبل عليها سكان الحارة الذاهبون الى أعمالهم أو مدارسهم و المارة فى شارع سيدي اسماعيل ليبتاعوا منها ....كانت أم سعيد فى العقد الرابع من عمرها متوسطة الطول ممتلئة قليلا مستديرة الوجه بيضاء البشرة ترتدي جلبابا فضفاضا...استمرت عدة سنوات تبيع لقمة القاضى دون انقطاع ...وذات صباح وجدنا مكانها على باب الحارة خاليا وانقضى بعده عدة ايام ولم تظهر أم سعيد ...وبالسؤال عنها عرفنا أنها مرضت مرضا شديدا وألحقوها بمستشفى الامراض الصدرية بامبابة لتمكث فيها شهر أو يزيد قبل أن تفارق الحياة 

مقبوله

كانت مقبولة فتاة يافعة جميلة ....تعلق بها فتيان الحارة ربما لجمالها أو لجرأتها ..اعتادت أن ترتدي بنطال جينز وقميص أبيض مربوطة أطرافه عند الخصر وتنتعل حذاءا رياضيا وتضع كابا على رأسها.....لم تنل قسطا من التعليم فقد أخرجها أبوها من المدرسة لتساعده فى عمله بنقل وجلب الأشياء على عربة كارو.

فى عصر أحد الأيام .. كنت عائدا الى المنزل ..وجدت الحارة نظيفة على غير العادة ورش الماء على الأرض وتزينت الحارة بمصابيح كهربائية ملونة وأقمشة الفراشة المبهجة ورصت الكراسى وطبل وزمر وأغانى وزغاريد تملأ سماء الحارة ...وبجوار منزل مقبوله أستقر كرسيين مذهبين كبيرين.. ..وعرفت أن مقبولة ستتزوج من رجل خليجى وسوف تسافر معه.

مضى عام أويزيد وعادت مقبولة بعد أن طلقها زوجها ...ولكنها لم تعد الفتاة اليافعة الجميلة التى ألفناها فقد ملأ الحزن عينيها و غلف وجهها الوجد والصمت.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

بوح الروح لطيفك بقلم عيسى نجيب حداد

بوح الروح لطيفك استهلتني بالقبل شفتاك لم تمهلني لفزعة محتواك بت أغدو على مشارف سقياك الثم من فوق الشفاه رقة محياك أنا طير مهاجر أترزق بالهجر...