الاثنين، 22 يناير 2024

الجارة مريم بقلم رفيعة الخزناجي

الجارة مريم 

صامت كل ما حولها ، جامد كصنم لا حراك فيه ، الظلام يستر كل ما تعرى بالنهار ، وحيدة هي بتلك الغرفة البائسة ، تتنفس بصعوبة شديدة ، ليس خوفا ، ولكن ربما هو شعور بالغربة ، رغم أنها ببلدتها التي ولدت وترعرعت فيها ، وببيتها الذي تزوجت وأنجبت أبناءها فيه ، غربة نفسية ربما إن صحت التسمية ، ذكريات وأحاديث وصور تمر أمامها وهي تطل من تلك النافذة على الساحة التي أمام بيتها ، تؤرقها، تؤلمها، توجعها، غصة بالحلق ودمعة بالعين وأحيانا قليلة وقليلة جدا ترى بسمة أو ضحكة تعلو وجهها وتمسك ما علق به من حزن ....
ترهف السمع ، وتقترب أكثر من النافذة ... فللكلمة سحر، ونبض ، وعطر ، تحتضن الحروف ويبقى صداها للقلب ؛ هناك كلمات ، ليست كالكلمات ، تحيي ذكرى ، و تزرع أملا ، تود لو تعيد سماعها بلا ملل ولا كلل ، لأن لها نوراً يسري داخلها ، ومنطوق حرف يعزف لحنا على مسمعها ، لحنا كتب عليه لحن الخلود ، لحن وكلمة ونبض وذكرى لعطر محال أن يزول ، عطر أبنائها وكلمة أمي ... 
سمعت تلك الكلمة " أمي " فاقتربت من النافذة كما زمان ، ظنا منها أنها ستجد أحد أبنائها عائداً إليها ، لقد رحلوا الواحد تلو الآخر ، غادروا البلدة بعد وفاة والدهم وتركوها وحيدة لا ونيس ولا جليس ، فقط ذلك المذياع العتيق تستقي منه الأخبار من وقت لآخر 
مرت سنوات على غيابهم ولا خبر عنهم ، طال انتظارها ، ويئست من عودتهم 
ذرفت الدموع أنهارا وحزنت أعواما وأخيرا تسلحت بالصبر ، واقتنعت بموتهم ولو كانوا أحياء 
هاهي كما تعودت ، تجاور النافذة طيلة يومها فهي المنفذ الوحيد والمؤنس الفريد ، من خلالها تعيش ماضيها وتشعر بالراحة أحيانا واليأس والحزن أحيانا أخرى ، وفي الليل 
تصارع النعاس كما عادتها في كل ليلة ، مع أنها تعرف ، أنها لن تخرج منتصرة من هذه المصارعة ، دائما يعاندنها ويهجرنها ويتركها تتقلب ذات اليمين وذات الشمال ، إلى أن تخزها أولى خيوط الضوء الصباحية ، كإبرة مخدر ، فتسلم الجسد للنوم بكل طواعية لبضع ساعات فقط .... قضت الخالة مريم حياتها على هذه الوتيرة إلى أن توفاها الله ، ماتت جارتنا الطيبة وحيدة ببيتها ولم تسعد باحتضان أبنائها !!!

رفيعة الخزناجي /تونس 
#هلوساتي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

مَجازِرُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فِي ضَوْءِ تَعَارُضِ المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ بقلم فُؤاد زاديكي

مَجازِرُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فِي ضَوْءِ تَعَارُضِ المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ لِلباحِثِ فُؤاد زاديكي يُثِيرُ...