الأربعاء، 28 يناير 2026

جد مرجع بقلم ماهر اللطيف

جد مرجع
بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳 

ارتمى حفيدي في حضني باكياً بحرقة ظهر هذا اليوم بعد اجتيازه مناظرة انتداب في فرع شركة عالمية، بللني بدموعه التي كانت تسقيني وملابسي وهو يصدر حشرجة وصوتاً متقطعاً:

كالعادة يا جدي، لم يقع انتدابي.

(مربتاً على ظهره بلين) لا تقلق بني. اصبر فالصبر مفتاح الفرج، لا تقنط من رحمة الله.

(وقد تضاعف البكاء) ونعم بالله. صبرت كثيراً يا جدي والعمر يتقدم بي دون جدوى.

(مقبلاً جبينه) استغفر الله بني وتمهل، سيأتيك قسمك في وقته إن شاء الله.

تواصل الحوار بيننا سجالاً، يشتكي ويندب حظه وأنا أحاول تهدئته وتحفيزه، دغدغة وازعه الديني وشحذ إيمانه، يلعن أقداره وسوء طالعه، أذكره بأن بعد العسر يسراً، يلبس رداء اليأس والقنوط والخنوع، وأنا أستنجِد بذاكرتي وسجل تاريخ عائلتي المليء بمثل هذه الحوادث حتى ابتسمت وأمرته بأن يجلس أمامي وينتبه لقولي.

ما إن فعل حتى أعلمته إنني أحضر تقريباً نفس حكاية "المولدي" والده الذي عانده القدر منذ حصوله على شهادته الجامعية حتى شارف على سن الثلاثين، قدم عشرات الملفات للمؤسسات الحكومية والخاصة، اجتاز عدة مناظرات واختبارات، لكنه وُجه بالرفض حتى كاد يستسلم. مرض نفسياً وفكر في الهجرة، وفعلًا بدأ يبحث عن طريقة لركوب البحر نحو الغرب، حتى ترشح لإجراء مناظرة انتداب في فرع شركة عالمية هنا.

مع ذلك، كان المولدي يائساً وغير عابئ بنتيجة هذا الاختبار حتى وهو في طريقه لذلك يوم الحسم، فلم يلبس لباساً لائقاً، ولم يجهز نفسه على جميع الأوجه كالعادة، كان يستهزئ من نفسه ويعلن عن رفضه لهذه الوظيفة بدلاً من المسؤول الذي سينطق بذلك.

دخل الشركة فوجد عشرات المتناظرين يصطفون وينتظرون ساعة الحسم، كل يمني النفس بالفوز ونيل المركز الوحيد المتناظر عليه إلا المولدي الذي كان يستهزئ بهم حتى كاد أن يتعرض للضرب من طرف بعض الشبان الذين لم يعجبهم تصرف المولدي.

غير أن أعضاء لجنة التحكيم تعمدوا وضع أوراق نقدية أمام باب قاعة الامتحان قبالة كاميرات المراقبة حينا، وخواتم ومجوهرات ثمينة حينا آخر، ليقيموا أمانة وثقة الممتحنين، وهو جزء من الامتحان الشفوي.

غير أن جميعهم سقطوا في فخ الأنانية، حب المال، إشباع الغرائز وغيرها، ومن بينهم المولدي الذي اندهش لرؤية ورقة نقدية من فئة خمسين دينار، التفت يمنة ويسرة وقلبه يخفق بقوة، تقدم خطوة وهو متردد، ثم تظاهر بتفقد خيوط حذائه وأخذ الورقة دون تردد، وضعها في جيب سرواله، ودخل فوقع طرده شر طردة إثر جلوسه أمام اللجنة دون إذن، والتحدث بسخرية، وعدم احترام الناس وعدم الاعتراف بما اقترفه من ذنب أمام الباب حتى وقع عرض المشهد الذي سجلته الكاميرا خارجاً...

بيد أن عبد الحليم (حفيدي) يتميز عن والده المولدي - الذي هاجر حينها خلسة إلى إيطاليا وتعذب عذاباً شديداً حتى تحصل على عمل وكون نفسه يوماً بعد يوم إلى أن تزوج وأنجب أطفاله هناك - أنه طموح، مؤمن إيماناً شديداً بأن بعد العسر يسراً...

وبقيت كذلك، أنفخ في صورته من خلال فشل والده إلى أن هدأ، ابتسم، استرجع توازنه، قبلني من يدي، جبيني ثم خدي وهو يقول "لن أخذلك أيها العجوز، سأصنع من ضعفي قوة، ومن يأسي أملاً، سأهدي نجاحي المتوقع بإذن الله إلى روح والدي الذي غادرنا منذ سنوات وهو في المهجر..."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أحملُ قلبي بين يديَّ بقلم شمس البارودي

أحملُ قلبي بين يديَّ لا جسدٌ لي غيرُ هذا الضوء ولا دفءَ لي غيرُ هذا النبض أنا شفافٌ كالحقيقة باردٌ كزمنٍ بلا ملامح لكن قلبي… أحمرُ كاعترافٍ ...